وفي أثناء البناء والإقامة، جاء الخبر الذي زاد البيت بهجةً وطمأنينة:
وكان في قلب صفية شوق خاص إلى هذه اللحظة.
ففاطمة لم تكن أم زوجٍ فحسب، بل كانت من الوجوه القليلة التي لقيت منها في حياتها معنى الاحتواء غير المشروط.
والأرواح التي عاشت قلة الحنان، تحفظ وجوه من أكرموها ولو بكلمة.
حين وصلت فاطمة، خرج الجميع لاستقبالها.
كانت امرأةً يكسو وجهها نورُ الإيمان القديم، وتظهر في قسماتها قوة النساء اللواتي عجنتهن الحياة بالمشقة فلم يزدهن ذلك إلا سعةً في الصدر.
ما إن رأت صفية حتى فتحت ذراعيها، وقالت:
— تعالي يا ابنتي.
فاندفعت صفية إليها، وشعرت أنها تنتقل من حضن رحمةٍ إلى حضن رحمةٍ آخر.
ثم التفتت فاطمة إلى مريم، فوقفتا لحظةً تتأمل كل واحدة منهما الأخرى.
كانت تلك من اللحظات النادرة التي لا يجتمع فيها مجرد نسبين، بل تاريخان من الألم والجبر.
قالت فاطمة لمريم:
— لقد حفظها الله لكِ، وحفظها لنا أيضًا.
فقالت مريم:
— وأنتِ كنتِ لها من الرحمة ما لا أنساه لكِ.
فأجابت فاطمة:
— الأمومة لا تضيق إذا كثرت. نحن اليوم لا نتقاسمها… نحن نوسّعها.
ومنذ ذلك اليوم، صار في البيت مشهدٌ عجيب: أمٌّ ردّ الله إليها ابنتها، وأمٌّ أخرى استقبلت تلك الابنة يوم كانت وحيدةً في طرق النجاة.
وكانت صفية تجلس أحيانًا بينهما، فتشعر أن الله يعوض بعض الناس لا بقدر ما فقدوا فقط، بل بأكثر.
وفي إحدى الليالي، اجتمعت الأمّان وصفية في المجلس الصغير، وسعيد قريبٌ منهنّ.
فقالت فاطمة لمريم مبتسمة:
— أخبريني، كيف كانت وهي طفلة يومين؟ هل كانت هادئة كما هي الآن؟
فاغرورقت عينا مريم وقالت:
— كانت هادئة على نحوٍ يخيف… كأنها تحفظ سرًا.
فضحكت فاطمة، وقالت:
— إذن لم يتغير فيها شيء. حتى وهي عندنا، كان في سكونها ما يجعلك تشعر أن هذه البنت تعرف عن الدنيا أكثر مما ينبغي.
فقال سعيد مازحًا:
— وأنا وقعت في هذا السكون أول ما وقع لي.
فنظرت إليه صفية بعينٍ تلمع حياءً، فقالت فاطمة:
— الحمد لله أنك وقعت فيه ولم تُفلت.
فضحك المجلس كله.
وكانت تلك الضحكة، على بساطتها، علامةً على أن البيت الجديد لم يُبن بالحجر وحده، بل بالأنس أيضًا.