باب من الرواية

الباب العاشر: الوجه الأول، والكلمة الأولى، وسقوط السنوات كلها في حضنٍ واحد

الفصل الثامن عشر — الطريق إلى بخارستان

انفتح الباب.

وظهرت امرأة.

ولم تحتج صفية إلى أكثر من ثانيةٍ واحدة لتعرف أن هذه ليست مجرد امرأةٍ في بيتٍ غريب.

كان في وجهها شيءٌ لا يُفسَّر بالشبه وحده، ولا بالحدس وحده، بل بشيءٍ أعمق من ذلك: يقينُ الدم إذا رأى أصله.

حدقت المرأة فيها طويلًا.

وكان في عينيها شيءٌ من الإرهاق النبيل، وشيءٌ من وجعٍ قديمٍ لم يمت، وشيءٌ من الرقة التي لا تكون إلا في الأمهات أو في النساء اللواتي عشن مع الحزن حتى صار في ملامحهن وقار.

قالت المرأة بصوتٍ خافت:

— نعم؟

لكن “نعم” هذه لم تكن سؤالاً عادياً، بل كانت جسرًا بين عالمين.

فتحت صفية فمها لتتكلم، غير أن الصوت تأخر، وسبقتها الدموع.

اهتزت شفتاها، وتحركت حنجرتها، ثم خرج الاسم أخيرًا كما تخرج الأرواح إذا فاض بها الصبر:

— أنا… صفية.

لم تسقط الجملة في الهواء.

سقطت مباشرةً في قلب المرأة.

تبدلت ملامحها، وتراجع لونها، واتسعت عيناها على نحوٍ لا يملكه التمثيل ولا المبالغة.

ثم قالت بصوتٍ مرتجف:

— صفية…؟

وكان هذا الترديد في ذاته اعترافًا قبل أن يكون سؤالاً.

خطت المرأة خطوةً نحوها، ثم خطوةً أخرى، ثم رفعت يدها المرتعشة ولمست خدّها، كما تلمس الأمهات الأحلام إذا تجسدت أمامهن خشية أن تكون مناماتٍ أخرى.

وقالت، وكأن الكلمات تُنتزع من قلبها انتزاعًا:

— يا رب…

ثم انهارت في حضنها.

ولم يكن ذلك عناقًا بين امرأتين، بل بين عمرين افترقا قسرًا ثم التقيا دفعةً واحدة.

بكت المرأة بكاءً مكتومًا أول الأمر، ثم انفجر بكاؤها كما ينفجر السيل إذا كُسرت حواجزه.

أما صفية، فلم تعد تعرف هل هي المرأة التي جاءت من السفر، أم الطفلة التي أخيرًا وجدت صدرها الأول.

وفي الداخل، كان صوتٌ رجولي يقترب على عجل.

ثم ظهر رجلٌ على باب الممر.

وقف، ونظر، ورأى المشهد، وسمع الاسم، فإذا بالحذر الذي كان في وجهه يتحول إلى ذهولٍ كامل.

رفعت صفية رأسها من حضن أمها، ونظرت إليه.

ولم تقل له في البداية شيئًا.

لكن عينيها قالتا ما لم تحتمله الشفتان:

أنا ابنتكما التي لم تمت.

ثم نطقتها.

وهنا، دخل الأب إلى المشهد كما يدخل الرجال إلى المواضع التي تسبقهم إليها قلوبهم منذ سنين.

اقترب ببطء، لا من ضعفٍ، بل من ثقل اللحظة.

وقف أمامها، وقال بصوتٍ مكسور مهيب:

— صفية؟

فقالت وهي تبكي:

— نعم يا أبي.

وكانت هذه الجملة، في تلك اللحظة، أكبر من كل الحكايات التي سبقتها.