كانت صالة السفر مكتظةً على نحوٍ يجعل المرء يشعر بأن العالم كله عبارة عن فراقات صغيرة متجاورة.
ناسٌ يعانقون، وآخرون يودعون، وموظفون ينادون، وحقائب تجرّها أيادٍ مستعجلة، وأصواتٌ تختلط فيها اللغات واللهجات والوجوه والجهات.
وفي أثناء انتظارهما، وقع بصر صفية على طفلٍ صغير كان يبكي قرب أحد المقاعد.
لم يكن بكاؤه صاخبًا، بل بكاءً متقطعًا خائفًا، يشبه بكاء من لم يفهم بعد كيف تختفي الأشياء التي يحبها من أمام عينيه.
تقدمت إليه صفية، وانحنت على ركبتيها، وقالت برفق:
— ماذا بك يا صغيري؟
قال وهو يمسح دموعه بكمّ قميصه:
— ضاعت أمي.
وشعرت صفية كأن الجملة أصابتها في موضعٍ خفي من صدرها.
لم تقل للطفل ما يخطر على بال الناس عادةً من عبارات التهدئة الجاهزة، بل قالت له بصوتٍ امتلأ بشيءٍ من نفسها:
— الأمهات لا يضعن حقًا. أحيانًا يبتعدن قليلًا، لكن الله يعيدهن.
وفي هذه اللحظة جاءت امرأةٌ تركض مذعورة، فلما رأت الطفل احتضنته، وأخذت تقبّل رأسه ووجهه وهي تكاد تبكي أكثر منه.
وقف المشهد كله أمام صفية كعلامةٍ صغيرة في الطريق الكبير.
ثم التفتت إلى سعيد وقالت:
— رأيت؟ حتى الأطفال يعرفون أن ضياع الأم ليس أمرًا بسيطًا.
قال:
— لذلك فإن العثور عليها ليس أمرًا بسيطًا أيضًا.
وظلت صورة الطفل في خاطرها.
شعرت لوهلةٍ أن الله وضعه في طريقها كي ترى مشهدًا مصغرًا من حكايتها كلها: طفلٌ يظن أنه ضاع، وأمٌّ تكاد تموت هلعًا، ثم يلتقيان في لحظةٍ ينهار فيها الخوف دفعةً واحدة.
وفي زاويةٍ أخرى من الصالة، كان شيخٌ مسن يقرأ في مصحفٍ صغير.
مرّ بقربهما بعد قليل، فنظر إلى وجه صفية نظرةً سريعةً فيها شيءٌ من التفرس، ثم قال جملةً عابرة وكأنه يخاطب نفسه:
— بعض الطرق لا تُسافر فيها الأقدام وحدها، بل الأنساب.
ولم يستوقفاه ليسألاه، فقد مضى الرجل كما يمرّ الغرباء الذين يقولون كلمةً ثم يذوبون في الزحام.
غير أن صفية حفظت العبارة كما تحفظ القلوب ما يلقيه الله إليها في أشكال الناس.