الباب الأول: الدم الأول الذي يغيّر معنى النصر
ليست الفتوح كلها سواء.
بعضها يأتي على قلب الفاتح كأنه امتحانٌ لقوته فقط؛ يرى الأرض أمامه، والخصم بين يديه، والراية في قبضته، فيمضي وفي دمه حرارة الشباب، وفي خياله صورة الظفر أكبر من صورة الثمن.
وبعضها الآخر يأتي بعد أن يعرف المرء لأول مرة أن الطريق لا يفتح أبوابه له وحده، بل يفتح معها أبواب المقابر أيضًا.
وهذا هو الفتح الذي يدخل الروح دخولًا آخر، فلا يعود الرجل يخرج إلى المعركة ليُرى، بل ليحمل ما يعرف أنه قد يكلّف البيت قطعةً جديدة من دمه.
وفي السنوات التي تلت تثبيت عهد عبدالملك، بدأت البلاد تدخل هذا الطور.
لم يعد الخارج مجرد حدودٍ تُراقب،
ولا أطرافٍ تُهدَّأ،
ولا تحركاتٍ محسوبة تختبر صلابة الدولة الناشئة فقط،
بل صار أمام البوسنة أفقٌ أوسع؛
أفقُ ردّ بعض ما ضاع،
وكسر بعض ما استطال من قوى الجوار،
وإشعار الخصوم أن هذا البيت الذي قام على الوقف والقرآن والنساء والقرى والجبال، ليس بيتَ رحمةٍ معزولًا عن بأس الرجال.
وكان عبدالملك قد نضج في هذه اللحظة بما يكفي ليعرف أن الاتساع ليس لعبة حدود، بل أمانة مركبة.
كل خطوةٍ خارجية ينبغي أن يثبت وراءها الداخل،
وكل رايةٍ تخرج ينبغي أن تعرف أين تعود،
وكل رجلٍ يركب ينبغي أن يكون في قلبه من المعنى أكثر مما في يده من الحديد.
لكن الله إذا أراد أن يرفع قومًا إلى طورٍ أعلى من الصدق، لم يتركهم يدخلونه بقلوبٍ لم تختبر الدم بعد.
لم يكن خبرًا سياسيًا فحسب،
ولا اسمًا يُذكر في سجلات الشهداء،
بل كان دخولًا فعليًا للدم الغالي إلى متن الدولة.
وعند هذه اللحظة بالذات خرج عبدالملك من روح الفتى الذي يثبت نفسه للعالم، ودخل روح الرجل الذي يعرف أن العالم قد يطلب منه برهانًا من أقرب الناس إليه.
ولهذا، فإن الفتح بعد الفقد لم يكن عنوانًا بلاغيًا، بل كان وصفًا دقيقًا لتحول العهد كله:
من ثقةٍ فتية في القدرة،
إلى وعيٍ مهيب بالثمن.
الباب الثاني: أولى الدماء من إخوة صفية… حين دخل الجهاد البيت من بابه الأقرب
كنت قد شددتَ في خط الرواية على أن من حقائق هذا الطور استشهاد إخوة صفية في الجهاد، وأن هذا لا يكون تفصيلًا عابرًا بل جزءًا من نسيج السرد نفسه.
ولذلك لم يكن الفقد الأول الذي خالط الفتوح شيئًا بعيدًا عن البيت، بل جاء من داخل الدائرة الأقرب، من الرجال الذين نشأوا إلى جوار صفية، وحملوا معها ذاكرة بخارستان والبيت الكبير والجبال والمزرعة والهجرة والبوسنة، ثم خرجوا بعد ذلك مع الرايات الجديدة.
كان بعض إخوتها —من أبناء البيت الكبير— قد كبروا في جوٍّ لم يكن يسمح للرجال أن يعيشوا على طرف المجد فقط.
لقد رأوا سعيدًا،
ورأوا عبدالملك،
ورأوا تقي الدين،
وعرفوا أن هذا العهد لا يقوم بقراءة الكتب وحدها ولا بحراسة المساجد وحدها، بل بأن يخرج من البيت رجالٌ يحملون أرواحهم على أكفهم إذا وجب.
وكان بعضهم قد اشتد عوده حتى صار لا يرضى أن يبقى خلف الرايات إذا تحركت.
خرجوا إذن، لا خروجَ متهورين، بل خروجَ من شربوا معنى الدولة قبل أن يشربوا نشوة الحرب.
وكانت صفية، وإن لم تكن تمنعهم، تعرف أن خروجهم ليس كخروج أبناء البيوت العادية.
إنهم ليسوا رجالًا من عامة الناس فقط، بل أبناء البيت الذي تنظر إليه البلاد.
وإذا سقط واحدٌ منهم، لم يسقط فردًا وحسب، بل سقط معه شيءٌ من عاطفة البيت العام.
وفي إحدى الحملات الأولى الكبرى نسبيًا، جاء الخبر.
لم يأتِ صراخًا، ولا دخل القصر في صورة فوضى، بل دخل على هيئة رجلٍ متعب، ووجهٍ يعرف كيف يحمل الخبر الثقيل قبل أن ينطقه، وصمتٍ سبق الاسم.
وكان من أشد ما يوجع في الأخبار العظيمة أن الوجه يفضحها قبل اللسان.
دخل الرسول على عبدالملك أولًا.
قرأه من عينيه، وقبل أن يتكلم الرجل عرف أن شيئًا من البيت قد لُمس.
قال الرسول بصوتٍ خافتٍ مشدود:
— ثبت الرجال يا مولاي… لكن فلانًا استُشهد، وفلانًا جُرح جرحًا شديدًا.
وكان الاسمان من إخوة صفية.
ساد المجلس صمتٌ ثقيل.
لم يكن عبدالملك يومها يملك ترف البكاء الفوري كما تبكي الأمّهات، ولا ترف الانهيار كما يفعل من لا يحملون وراء الخبر جيشًا وبلادًا.
لكنه أحسّ أن الدم الذي كان يتوقعه يومًا ما قد بدأ يدخل العهد من جهةٍ يعرفها جيدًا.
ثم قال، وقد شدد صوته على رغم ما فيه من انكسارٍ داخلي:
— كيف ثبت الصف؟
فأجاب الرجل.
وهنا ظهر أول وجهٍ من وجوه العهد الجديد:
أن الحاكم بكى في قلبه أولًا، لكنه سأل عن الراية قبل أن يسقطها الخبر من يده.
أما صفية، فلما بلغها الاسم، لم تصرخ صراخًا فوضويًا.
أغمضت عينيها طويلًا، ووضعت يدها على صدرها كما لو أن الطفلة المسروقة القديمة فيها عادت لحظةً لتفهم أن الجبر العظيم لا يعني أن الله يمنع الدم عن البيوت المختارة، بل يعني أنه يعطيها القدرة أن تحمل هذا الدم ولا تسقط.
قالت لمريم أمها في تلك الساعة:
— دخل الجهاد بيتنا من بابه الأقرب.
فقالت مريم، وعيناها مليئتان بالدمع والرضا معًا:
— وهل كان يمكن لبيتٍ كهذا أن يطلب الرايات ثم يمنع نفسه عن أثمانها؟
وكانت هذه الجملة من أوجع الحقائق:
أن البيوت العظيمة لا تُعفى من الثمن،
بل كثيرًا ما تُبتلى به أولًا.
الباب الثالث: صفية بين الأم والثغر… كيف بكت ولم تُضعف الرجال
لم يكن فقد الإخوة عند صفية فقدًا سياسيًا ولا بطوليًا باردًا.
كان فقدًا حقيقيًا لوجوه عاشت معها في البيت، وأكلت معها من الخبز، وسارت معها من بخارستان إلى البوسنة، وضحكت في المزرعة، ووقفت في مجالس الرحيل، ورأت أبناءها وهم يكبرون.
ولذلك كانت لوعة الدم عندها مركبة:
لوعة الأخت،
ولوعة الأم الكبرى للبيت،
ولوعة المرأة التي تعرف أن البلاد تنظر إلى طريقة بكائها كما تنظر إلى طريقة عبدالملك في حمل الخبر.
جلست في غرفتها بعد أن انفضت أول موجة من الناس، وبقيت معها مريم أمها وفاطمة أم سعيد وبعض نسائها الأقرب.
كان في الغرفة صمتٌ لا يقطعه إلا شهقةٌ تخنقها صفية، أو دعاءٌ تتمتم به مريم، أو دمعةٌ تسقط من غير صوت.
وكانت صفية تبكي، نعم، لكن بكاءها لم يكن بكاء من يحتج على الطريق الذي اختاره، بل بكاء من ذاق ثمرته الأولى المرة.
قالت لها فاطمة أم سعيد:
— ابكي يا ابنتي، فهذا حق الدم.
فقالت صفية، وصوتها مبحوح:
— أبكي… لكنني أخاف أن يراني الأولاد فأعلمهم الخوف بدل الصبر.
فقالت مريم:
— علّميهم أن الدم يوجع، لا أنه يردّ عن الحق.
وهنا تماسك شيءٌ في داخلها.
قامت بعد حين، وتوضأت، وصلت ركعتين طويلتين، ثم جلست إلى أبنائها، وكان بعضهم قد بدأ يسمع الأسماء ويفهم أن البيت فقد رجلًا منه.
نظر إليها عبدالملك بعينٍ تعرف أمه جيدًا، فرأى فيها حزنًا عميقًا، لكنه لم يرَ فيها تراجعًا.
وهذا ما احتاجه في تلك اللحظة أكثر من الكلام.
قالت لهم:
— الشهيد لا يُبكى كما يُبكى من مات على ضياعٍ أو عبث. لكنه يُبكى لأنه غالٍ.
ثم نظرت إلى الوجوه الصغيرة والكبيرة حولها وأضافت:
— لا أريد منكم أن تكرهوا الطريق لأن الدم دخله. أريد فقط أن تعرفوا من اليوم أن الرايات ليست قماشًا يرفرف. هي رجال.
وكانت هذه الجملة نفسها درسًا من دروس البيت الذي يربط الجهاد بالوعي لا بالحماسة فقط.
ومن يومها دخل معنى جديد إلى نفوس الأبناء:
أن الجبل الذي صعدوه مع أبيهم وجدهم يومًا ما،
والفرس الذي أحبوه،
والسيف الذي تدربوا على حمله،
كل ذلك ليس لعبًا نظيفًا فحسب، بل طريقٌ قد يمرّ بالقبر.
الباب الرابع: عبدالملك بعد الدم الأول… الحاكم الذي لم يعد يخرج بروح الفتى
وهنا بدأ التحول العظيم في عبدالملك نفسه.
قبل هذا الفقد، كان يخرج إلى المعارك بعينٍ تعرف الخطر، نعم، لكنه ظل في أعماقه يحمل شيئًا من حرارة الفتوة التي تقول للرجل: سأثبت قدرتي، وسأحفظ البلاد، وسأكسر خصومي، وسأُظهر أنني أهل لهذا العهد.
أما بعد أن دخل الدم الغالي إلى البيت، فقد تبدلت حرارة الشباب بحرارةٍ أخرى: حرارة الأمانة.
لم يعد يخرج إلى المعارك بروح الفتى الذي ما زال يختبر نفسه أمام العالم، بل بروح من صار يعرف أن كل فتحٍ قد يكلّف بيتًا شيئًا من دمه.
صار عبدالملك إذا جلس لمجلس حربٍ أطال الصمت أكثر من قبل.
وإذا قُدمت إليه خرائط الثغور، لم يرَ فيها خطوطًا ومواقع فقط، بل رأى من خلفها البيوت التي تنتظر من يعود ومن لا يعود.
وإذا رفع رجلٌ صوته طالبًا الاندفاع، لم يعد عبدالملك يعجبه الصخب، بل صار ينظر أولًا:
هل يفهم هذا الرجل ماذا يطلب؟
أم أنه ما يزال يتكلم عن الحرب كما يتكلم من لم يدفن قريبًا بعد؟
قال له تقي الدين مرةً بعد هذه الأخبار بأيام:
— الحمد لله أن الله أدخلك هذا الباب وأنت شاب، قبل أن يغرك الظفر ويُفسدك.
فقال عبدالملك:
— أكنتَ تريد لي هذا؟
فقال الشيخ:
— لا أريد لك الألم، لكنني أريد لك الحقيقة.
ثم أضاف:
— القائد الذي لا يعرف ما معنى أن يكون وراء كل قرار بيتٌ قد يُفجع، يقود الناس بعقلٍ ناقص.
ومن يومها، لم تعد خطب عبدالملك العسكرية ولا أحاديثه في المجالس تحمل رائحة الفتوة المتعجلة، بل رائحة الرجل الذي عرف أن الظفر إن لم يُغسل بالخوف من الله على الدم، أفسد صاحبه.
الباب الخامس: الفتح الأول الكبير… حين عبرت البوسنة من الدفاع إلى المبادرة
بعد هذا الدم الأول، لم تتراجع البلاد.
بل إن ما وقع فيها كان على العكس:
كأن الفقد صقلها،
لا كسرها.
وكأن الرايات حين شربت أول قطرة من دم البيت، صارت أعظم معنىً وأثقل صدقًا.
وهنا دخلت الفتوح طورًا جديدًا بالفعل.
لم تعد تحركاتٍ محدودة تختبر الخصوم أو تحفظ الأطراف فقط، بل صارت ضرباتٍ محسوبة تخرج من الدفاع إلى المبادرة.
كان عبدالملك قد عرف مواضع خصومه، ومواطن ضعفهم، والخلل في بعض تحالفاتهم، كما عرف حدود بلاده من الداخل بما يكفي ليطمئن أن ما وراءه ليس فراغًا.
فقرر أن أول الاتساع الحقيقي يجب أن يكون ضربًا مدروسًا لا تهورًا.
عقد مجلسًا موسعًا من رجال الثغور والخرائط واللوجستيات، لكنه لم يجعله مجلس ضجيج عسكري فقط.
كان فيه أهل رأيٍ من جانب الوقف والمخازن، ورجال يعرفون الطرق، واثنان من أهل القرى التي ستتأثر بحركة الجيوش، حتى لا تنقلب المبادرة الخارجية إلى استنزاف داخلي.
وكان هذا من سماته الخاصة:
أن الفتح عنده لا يُفصل عن خبز الناس.
قال لهم:
— لا أريد خطوةً تفتح مدينةً وتكسر عشر قرى وراءها.
ثم أردف:
— ولا أريد نصرًا نكتبه في الدواوين، ثم نبكيه في الأسواق.
فساد المجلس هيبةً.
لأن الرجال فهموا أن عبدالملك لا يقيس الحرب من جهة صورة الراية وحدها، بل من جهة ما يبقى بعدها.
خرجت الحملة الأولى الكبرى بعد ذلك على هذا الأساس.
وكان عبدالملك فيها حاضرًا، لا غائبًا وراء التقارير.
وقف على الربى، وتقدم في المواضع التي يلزم أن يراه الرجال فيها، وتراجع في المواضع التي يلزم أن يترك القيادة الميدانية للقادة حتى لا يربك حسن التدبير بحضور الاسم فقط.
وكان هذا من نضجه أيضًا:
أن يعرف متى يكون وجوده قوة، ومتى يكون ثقلًا.
وجاء الظفر.
لا ظفرًا أسطوريًا يبدل خرائط الدنيا في يومٍ واحد، لكن فتحًا حقيقيًا أعلن أن البوسنة لم تعد بلدًا يحمي نفسه فقط، بل بلدًا يمد يده إلى ما وراء حدوده إذا وجب.
وعاد الناس في الداخل يستقبلون الأخبار هذه المرة بشعورين معًا:
الفرح،
والخشية.
فقد دخل الفتح بيتهم من بابٍ لم يعد بريئًا من الدم.
الباب السادس: تقي الدين يخرج أخيرًا… الشيخ الذي رفض أن يبقى اسمًا في المجلس
كان تقي الدين في هذا الطور من أولئك الشيوخ الذين يصعب على الناس أن يحددوا موضعهم بدقة:
هل هو أبٌ للبيت فقط؟
أم جدٌّ للأبناء؟
أم شيخُ دولة؟
أم رجلُ علمٍ وحكمة؟
أم مقاتلٌ قديم هدّأته السنين؟
والحقيقة أنه كان كل ذلك معًا، وهذا ما جعله أثقل من أن يُحصر في موضع واحد.
لكن قبل أن يعود الخبر، لا بد أن نرى كيف خرج.
لم يكن خروجه خروج شيخٍ يريد أن يثبت لنفسه أنه ما زال قادرًا على الركوب والضرب.
بل كان خروج رجلٍ يعرف أن بعض الرجال إذا منعوا أنفسهم عن الطريق حين يحتاجهم المعنى، ذبلت أرواحهم ولو عاشوا في القصور.
وقد حاول بعضهم ثنيه:
يا شيخ، أنت الآن موضع مشورةٍ،
وأنت أحوج في المجلس منك في الميدان،
والشباب كثير،
ودورك هنا أكبر.
لكنه كان يبتسم ذلك الهدوء القديم، ويقول:
— أعرف موضعي.
ثم يسكت.
وفي ليلةٍ سبقت خروجه الأخير، جلس مع صفية وحدها.
لم تكن جلسة وداعٍ صريح، لكن الأرواح القريبة من الله تعرف أحيانًا أن في بعض الليالي رائحةَ فراقٍ لا تخطئها.
قالت له صفية وهي تنظر إلى يده التي شاخت قليلًا لكنها ما تزال تحمل هيئة الرجال الصلبين:
— لو بقيتَ هذه المرة لكان قلبي أهدأ.
فنظر إليها طويلاً، ثم قال:
— يا ابنتي، لم نربِّ هذا البيت على أن يطلب الرايات ثم يتركها إذا احتاجته.
فسكتت، لأنها تعرف أنه يقول الحقيقة نفسها التي كانت تقولها في بيتها لأولادها.
ثم قالت:
— لكنك لستَ كغيرك.
فقال:
— ولا الطريق هذا كغيره.
ثم أضاف بعد لحظةٍ حنونٍ ثقيلة:
— إن عدتُ، فالحمد لله. وإن مضيتُ، فإني أمضي على شيءٍ أحببته قبل أن تحبيني ابنةً أو أحبك أبًا.
وكانت الجملة من تلك الجمل التي تُحفظ لأنها تجمع بين اليقين والوداع من غير أن ترفعهما إلى الصراخ.
وفي الصباح خرج.
ولم يخرج وحده، بل ومعه تاريخ البيت كله.
خرج وفي عيني عبدالملك احترامٌ لا يقدر أن يخفيه، وفي قلب سعيد خشيةُ الرجال الذين يعرفون قيمة هذا الشيخ أكثر مما يقولون، وفي قلب صفية رجفةُ البنت التي استردت أباها بعد عمرٍ من الضياع ثم جاءت الأيام تطلبه منها من باب الشهادة.
الباب السابع: الخبر الذي عاد… حين صار الفقد مقامًا لا حادثة
وجاء الخبر.
لم يأتِ سريعًا كما تأتي أخبار الانتصار، بل جاء على ذلك الإيقاع الذي يجعل القلوب تعرفه قبل أن تُنطق به الألسن.
عاد رجلان من الحملة بوجوهٍ يعرف الحزن طريقه إليها، ولم يكن في هيئتهما ما يوحي بنكسةٍ في الصفوف، بل بشيءٍ أخصّ وأوجع:
أن رجلاً واحدًا —لكنّه لا يساوي في البيت رجلًا واحدًا— قد سقط.
دخل الخبر أولًا على عبدالملك.
قرأه من خطواتهم، من طريقة وقوفهم، من خفض أبصارهم قبل الكلام.
ولمّا نطق الرجل الاسم: تقي الدين، شعر عبدالملك أن المجلس كله اتسع فجأةً وصار قبرًا مفتوحًا في الذاكرة.
لكنّه لم ينهَر.
بل أحس أن هذه هي اللحظة التي كان يعده لها الشيخ نفسه طوال السنين:
أن يحمل الدم ولا يسقط الراية.
سأل أولًا:
— كيف مضى؟
فقالوا:
— ثبت… ثم تقدم حين اضطربت بعض الصفوف، وشدّ قلوب الرجال، ثم أصابه ما أصابه وهو في الموضع الذي كان يكره أن يتركه لغيره.
فساد الصمت.
أما صفية، فقد دخل عليها الخبر كما تدخل الأخبار التي لا تشق الهواء فقط، بل تشق سنوات كاملة دفعةً واحدة.
لم ترَ فيه الشيخ المجاهد فقط،
بل أباها الذي انتظرها في قلبه حين ظنها الناس ماتت،
والرجل الذي قال عند الباب: صفية؟
ثم ضمها،
والأب الذي أعطاها الأرض والمزرعة،
والشيخ الذي بنى المسجد،
وجدّ الأبناء،
وصوت الوقار في البيت.
جلست حين بلغها الخبر، ولم تصرخ أولًا.
وضعت يدها على فمها كأنها تريد أن تحبس من صدرها انهيارًا كاملًا، ثم سال الدمع من غير صوت.
وقالت بعد زمنٍ بدا طويلًا على من حولها:
— عاد إليّ يومًا بعد موتي… وها هو يمضي اليوم شهيدًا.
ثم بكت.
ولم يدخل خبر استشهاد تقي الدين بيت صفية ليكسره، بل ليصقل فيه شيئًا جوهريًا:
أن الشهادة ليست حادثًا يعطل البناء، بل إحدى الطرق التي يُختم بها البناء الصادق.
وأن الدولة التي لا تقوى على حمل أمواتها الكبار لا تستحق أن تكبر.
الباب الثامن: ما بعد الشيخ… حين صار كل فتحٍ يمرّ أولًا على قبره
لم تتوقف الفتوح بعد استشهاد تقي الدين.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في بنية العهد كله.
فلو توقفت، لبدت الشهادة كأنها نداءُ رجوعٍ إلى الخوف،
ولبدا البيت الذي ربّى الرجال على الحق عاجزًا عن حمل أثمانه.
لكنها أيضًا لم تعد كما كانت من جهة الشعور الداخلي.
صار كل رايةٍ ترتفع تحمل معها ظلَّ الشيخ.
وكل مجلس حربٍ جديد يصمت فيه عبدالملك لحظةً أطول قبل أن يقرر، كأن القرار يمر أولًا على قبر جده في قلبه.
وكل دعاءٍ من صفية قبل خروج الرجال صار أثقل،
وكل خروجٍ من البيت صار يعرف أن الفقد لم يعد احتمالًا نظريًا، بل بابًا جُرِّب بالفعل.
قال عبدالملك لعبدالله في إحدى الليالي بعد استشهاد تقي الدين بأسابيع:
— كأنني لم أعد أخرج إلى المعارك بالطريقة نفسها.
فقال عبدالله:
— ولا أنا.
ثم سكتا قليلًا، وأضاف عبدالملك:
— لم تعد الحرب خارجية فقط… صارت تمسّ الذاكرة.
فقال عبدالله:
— وربما لهذا نصير أصلب إذا صحّ القلب.
وكانت الجملة نفسها تعبيرًا عن تحول الجيل التالي كله:
أن الدم لم يُضعفهم،
بل نزع من أيديهم بعض بقايا الخفة.
وأما صفية، فكانت تدعو كلما خرج الرجال، ثم تبقى لحظةً أطول بعد الدعاء، كأنها تعرف أن الطريق الذي اختارته الأسرة لم يعد طريق المعاني العالية فحسب، بل طريق الفقد العالي أيضًا.
الباب التاسع: أم سعيد… السند الصامت الذي بدأ يتهيأ للرحيل
ولم يكن رحيلها مجرد وفاة امرأةٍ كبيرة في البيت، بل سقوط سندٍ من الأسانيد التي لا يلتفت التاريخ السياسي غالبًا إلى عمقها، مع أنها تشدُّ البيوت أكثر مما تشدها كثير من القرارات.
كانت فاطمة أم سعيد من النساء اللواتي لا يملأن المجالس ضجيجًا، لكن حضورهنّ في البيت يشبه الجذور:
لا تُرى كلها،
لكن الشجرة تختل إذا مُسّت.
هي التي استقبلت صفية يوم كانت خارجة من حياةٍ منكّسة،
وهي التي حملت معها معنى الاحتواء الصادق،
وهي التي شاركت في تربية الأبناء،
وفي تثبيت صفية أيام الولادات،
وفي حمل الداخل حين كثر ثقل الحكم،
وظلت في البيت كأنها صمت الرحمة الموزع على الجميع.
وبعد استشهاد تقي الدين بمدةٍ، بدأت آثار السنّ والتعب تظهر عليها أوضح من قبل.
لم تكن تشتكي كثيرًا، لكن صفية —لشدة ما تعرفها— بدأت تلتقط من بطء حركتها، ومن طول تأملها للصغار، ومن صمتها بعد المغرب، ومن نظرتها إلى سعيد، أن شيئًا ما يخفّ في الجسد ويشتد في الروح.
وكانت هذه من العلامات التي تعرفها النساء اللواتي عشن مع الكبار طويلًا:
أن بعض الناس يبدأون الرحيل قبل أن يموتوا بأسابيع أو أشهر، على هيئة نورٍ يرقّ أكثر، وصبرٍ يزداد، وتخففٍ من أشياء الدنيا.
قالت لها صفية ذات مساء وهي تعدّ لها شيئًا من الشراب:
— أراكِ تتعبين أكثر من قبل يا أمي.
فابتسمت فاطمة تلك الابتسامة التي يزداد فيها النور كلما هزل الجسد، وقالت:
— يا ابنتي، نحن الآن في أعمارٍ يصير فيها التخفف من الدنيا هو الراحة.
فقالت صفية، وفي قلبها وخزٌ لم تحب أن تسميه:
— لا تقوليها هكذا.
فقالت فاطمة:
— ولمَ أخاف من المعنى الصحيح؟ لقد رأيتُ البيت يقوم، والأولاد يكبرون، والبلاد تثبت، فما الذي أبقى عليه الخوف؟
وكانت هذه الجملة تهيئةً خفية لما سيأتي.
لا موتًا وقع الآن بعد، لكن ظلُّه بدأ يمرّ على أطراف البيت.
الباب العاشر: أم صفية… الشوق القديم الذي لم يكتمل بعد
وفي الجهة الأخرى من القلب، كانت مريم أم صفية ما تزال حاضرة، لكن حضورها لم يعد فقط حضور الأم التي استردت ابنتها، بل حضور المرأة التي صارت ترى أبناء ابنتها يكبرون، وترى البوسنة تثبت، وترى عبدالملك رجلًا على الحكم، ثم تشعر من حين إلى حين أن الدنيا التي ردت إليها ابنتها بعد طول خطف، قد لا تُبقي لها كل هذا طويلًا.
لكن في هذا الطور كانت مريم قد بدأت تدخل مقامًا آخر من الأمهات:
مقام النساء اللواتي لا يطلبن من الدنيا جديدًا لذواتهن، بل يكتفين أن يروا الثمرة ثم يتهيأن للرحيل.
كانت تنظر إلى عبدالملك في المجلس أحيانًا، ثم إلى صفية، ثم إلى فاطمة الصغيرة، ثم إلى البنات، وتقول في سرها:
الحمد لله… لقد رأيتُهم.
وكان هذا الرضا الهادئ، على جماله، يترك في قلب صفية خوفًا خفيًا، لأن القلوب تعرف أن بعض الناس إذا كمل رضاهم بالأرض، اقتربت من السماء.
الباب الحادي عشر: الفتح الذي تعمّد بالدم
ومع هذا كله، لم يبرد العهد.
بل على العكس، صارت فتوح عبدالملك أكثر نضجًا وأعمق ثباتًا.
لم يعد يطلب منها أن تثبت له فقط أنه أهل للحكم، بل صارت تطلب منه أن يثبت أنه أهل لحمل الدم الذي سقاه الطريق.