وكما في كل طور نجاح، لم يغب الحسد، لكنه تغيرت هيئته.
في السنة الأولى كان بعضه ظاهرًا في الهمس بأن الرحمة تُضعف الحكم، أو أن النساء يُذكرن أكثر مما ينبغي.
أما في السنة الثانية، بعد أن بدأت الآثار تتراكم ويصعب إنكارها، فقد صار الحسد أكثر تهذيبًا في صورته، وأخبث في حقيقته.
صار بعض النساء من البيوت الجيدة الظاهر يأتين بالمجاملات الثقيلة، وعيونهن تمسح المجلس لا لتستفيد، بل لتقارن.
وصار بعض الرجال يتحدثون عن “اتساع نفوذ الوقف” و”كبر دور الداخل” لا اعتراضًا على الأصل، بل لأنهم ضاقوا أن تُصنع في البلاد هيبةٌ من غير أن تمرّ عبرهم.
شعرت صفية بهذا كله، لكنها لم تكن من النوع الذي يشتبك مع كل ظلال الغيرة.
كانت تقول:
— ليس كل حاسد يُعالج بالمواجهة. بعضهم تُهلكه المقارنة وحدها إذا استمر الأثر.
لكنها في الوقت نفسه لم تكن ساذجة.
فإذا رأت خيطًا من الحسد قد يتحول إلى إضرار، قطعت الطريق قبل أن يكبر.
وفي مساءٍ قالت لها مريم أمها:
— أراكِ صرتِ تبتسمين أكثر حين تسمعين بعض الكلام الرديء.
فقالت صفية:
— لأني عرفت وجوهًا من الشر في حياتي لا يليق بعدُ أن يربكني تذمراتُ المترفات أو حسدُ الكسالى.
فضحكت مريم، وقالت:
— هذه حكمةٌ من دفعتِ ثمنها غاليًا.
فقالت:
— نعم… لكنّ الله إذا حوّل الجرح إلى بصيرة، صار بعض الألم نعمة.