تم الزواج هادئًا، بلا صخبٍ يفسد المعنى.
فالبيت كله في تلك المرحلة لم يكن يرى الزواج مشهدًا اجتماعيًا للتفاخر، بل بناء دور.
وإذا كان زواج أحمد قد بُني ليحمل سكينة المحراب،
وزواج محمد ليحفظ عمق الصمت،
فإن زواج عبدالله كان يُبنى ليحفظ رجل الحرب من أن يتحول إلى آلة.
في الأيام الأولى لم يكن في بيت عبدالله وأمامة ذلك النوع من العواطف المعلنة التي يكثر فيها الكلام ويقل فيها العمق.
كان عبدالله يعود من ساعات التدريب أو الثغور أو الاجتماعات العسكرية فلا يلقى في البيت أسئلةً متراكمة تتزاحم عليه عند الباب،
ولا لائمةً تلبس نفسها ثوب الشوق،
ولا مطالب صغيرة تريد أن تنتصر على تعبه فقط لأنها حضرت في وقت عودته.
بل كان يجد ما لا يعرف كثير من الرجال أن يطلبوه حتى يُمنحوه:
بيتًا ساكنًا،
وماءً حاضرًا،
ونظرةً تفهم إن كان محتاجًا إلى الطعام أولًا أو إلى السكون أولًا،
وكلمةً قليلة لكنها في موضعها.
وفي مرةٍ دخل عبدالله بعد يومٍ ثقيل،
وكان في وجهه من الجفاف ما تعرفه أمامة.
وضعت له ما يلزمه، ثم جلست غير بعيدة، لا قريبةً تقتحم صمته، ولا بعيدةً توهمه أنه تُرك وحده.
وبعد وقتٍ طويل قال، من غير مقدمة:
— مات رجل اليوم من رجالي.
لم تفتح عليه باب التحليلات،
ولم تسأله فورًا: كيف؟ ولماذا؟ وماذا فعلت؟
بل قالت فقط:
— رحمه الله.
ثم سكتت.
وكانت هذه الكلمة في تلك اللحظة كافية.
لأن بعض الرجال لا يريدون من المرأة في أول وجعهم أن تشرح لهم العالم، بل أن تثبت فيه.
وهنا فهم عبدالله شيئًا لم يكن يحسن قوله:
أن الله أعطاه امرأة لا تسلبه صلابته، لكنها لا تترك صلابته تأكل إنسانيته أيضًا.
وهذا هو الذي يجعل البيوت العظيمة تُبنى من الداخل على النحو الصحيح.