باب من الرواية

الباب الثاني: أمامة… المرأة التي لم تدخل عليه بالعاطفة العالية بل بالنَّفَس الصالح

الفصل الخامس والثلاثون — عبدالله وأمامة

وجاءت أمامة.

لم تدخل حياة عبدالله كما تدخل بعض النساء على بيوت الرجال وهم يظنون أن الحب إذا كثر لفظه استقام كل شيء.

بل دخلت عليه على صورةٍ أعمق من ذلك:

امرأة تعرف موضعها،

وتفهم معنى رجل الحرب،

ولا تطالب القلب بما لا يطيقه،

لكنها في الوقت نفسه لا تتركه ييبس حتى يصير حجرًا كاملًا.

أن عبدالله، على شدته وقلة تظاهره بالعاطفة، كان أكثر إخوة البيت احتياجًا —في سرّه— إلى زوجةٍ تعيد إلى روحه شيئًا من التوازن الذي يفقده رجال الحرب إذا طال بهم المقام بين الرجال وحدهم، وأن أمامة كانت لهذه المهمة على أكمل وجه.

لم تكن أمامة من النساء اللواتي يدخلن إلى رجلٍ مثل عبدالله فيبدأن بمطالب العاطفة الصاخبة،

ولا من اللواتي يحاولن كسر حدة الرجل بالجدال المستمر،

ولا من اللواتي يفسرن قلة الكلام على أنها قلة محبة.

بل كانت تعرف أن بعض الرجال يخرجون من ساحات الواجب مثقلين بما لا يحسنون شرحه،

وأن دور المرأة معهم ليس دائمًا أن تنتزع منهم الكلام قسرًا،

بل أن تهيئ لهم البيت الذي إذا دخلوه شعروا أن أرواحهم لم تنفصل عن بشريتهم.

وحين جلست بها صفية أول مرة، لم تسألها أسئلة البيوت التقليدية عن الطبخ والخدمة والمهارات السطحية فقط،

بل سألتها عن شيءٍ آخر:

— إذا رجع رجل من يومٍ ثقيلٍ لا يريد أن يتكلم، فماذا تفعلين؟

ففهمت أمامة السؤال من عمقه، ولم تتعجل الجواب.

قالت بعد صمتٍ قصير:

— أنظر أولًا: أهو صمت تعبٍ يحتاج إلى سكينة؟ أم صمت كِبرٍ يحتاج أن يُواجه؟

فرفعت صفية عينيها إليها بإعجابٍ خفي، وقالت:

— وأيّهما عبدالله عندك؟

فقالت أمامة:

— لا أظنه من أهل الكبر في البيت. أظنه من أهل الصمت الذي يحتاج أن يُترك له موضع.

وهنا عرفت صفية أن الفتاة تفهم ما هو أدق من الكلام نفسه.

ولم يكن جمال أمامة هو الذي رجّحها في قلب البيت،

ولا نسبها وحده،

ولا ما يعرف الناس من حسن سمتها،

بل هذا الفهم.

فالرجل الذي سيُدفع إلى الثغور، وإلى ما بعد الفتنة الكبرى، يحتاج إلى امرأة لا تضيع معالمه حين يطول غيابه بين الخيول والحدود والرجال.