إذا كان عبدالملك قد خرج من البيت على هيئة الجمع بين الدولة والسيف والنظر البعيد،
وكان أحمد ومحمد قد خرجا من البيت على هيئة المحاريب والحرمين،
فإن عبدالله كان من معدنٍ آخر.
كان من الرجال الذين إذا رأيتهم في مطلع شبابهم عرفت أن الله سيسوقهم إلى المواضع التي لا يصلح فيها التردد،
ولا يليق بها الترف العاطفي،
ولا تستقيم مع الأرواح التي تبحث عن راحتها قبل واجبها.
لم يكن عبدالله قاسيًا بالمعنى الذي يظنه الناس في أهل الثغور،
لكنه كان قليل التظاهر بالعاطفة،
أقرب إلى حمل المهمات من حمل الأحاديث،
وأشد ميلًا إلى الصمت العملي من المجالس التي يكثر فيها الكلام ويقل فيها الإنجاز.
أنه كان “أقرب إلى الثغر من البيت، وأقرب إلى حمل المهمات من حمل أحاديث القلب، لا لأنه خالٍ منه، بل لأن طبعه صُنع على صورة إذا استحكم فيها معنى الواجب طغى على ما سواه.”
كان إذا جلس بين إخوته بدا أقلهم ميلًا إلى الزينة اللفظية.
لا يحب أن يفسر نفسه كثيرًا،
ولا يرتاح للمديح،
ولا يأنس بالبطولات الكلامية.
وحين يخرج مع الرجال إلى حدود البلاد أو إلى الجبال أو إلى ميادين التدريب، كان يبدو كأن موضعه الطبيعي هناك، بين الصخر والريح والنظر الحاد لا بين الوسائد والأنس الطويل.
وكانت صفية —من بين الجميع— أشد الناس فهمًا لهذه الطبيعة.
تعرف أن بعض الأبناء لا يصلح معهم الأسلوب نفسه الذي يصلح لإخوتهم.
تعرف أن عبدالله إذا كثر عليه الحديث عن الدفء والسكينة بالطريقة التي يفهمها أحمد أو محمد، ضاق،
وإذا تُرك لطبعه العسكري المجرد طال به المقام بين الرجال والحديد حتى يصير جزءًا من آلة لا من روح.
ولهذا كانت تقول أحيانًا لسعيد:
— عبدالله لا يحتاج امرأةً تحبه فقط… يحتاج امرأةً تحفظ إنسانيته من أن تتجمد.
وكان سعيد يومئذٍ يهز رأسه لأنه يعرف أن هذه هي الحقيقة الدقيقة فيه.