باب من الرواية

الباب الثاني: الطريق إلى المدينة… أمٌّ تمضي وفي قلبها خاتمة الحكاية

الفصل الثاني والثلاثون — مريم أم صفية في المدينة

تهيأت الرحلة.

ولم تكن رحلة استعراضٍ ولا احتفالًا بموضع حفيد، بل خروجًا فيه من الوقار ما يشبه الحجّ الداخلي.

خرجت مريم، ومعها من يلزم من الرفقة، وخرجت معها في الحقيقة أعوامٌ كاملة من الذكرى:

ليلة الولادة،

وليلة الخبر الكاذب،

وسنوات الصبر،

ولقاء الباب في بخارستان،

ثم البوسنة،

ثم عبدالملك،

ثم موت تقي الدين،

ثم موت فاطمة،

حتى شعرت صفية وهي تودّع أمها أن هذه الرحلة ليست سفرًا عاديًا، بل سفرُ قلبٍ يذهب ليرى هل اكتمل المعنى الذي عاش له كل هذا العمر.

قالت صفية لأمها عند الوداع:

— عودي إليّ يا أمي.

فابتسمت مريم، وكان في ابتسامتها شيءٌ عجيب من الصفاء، وقالت:

— أنا ذاهبة لأرى بعض تمام الرحمة، لا لأغيب عنكِ.

لكن صفية لم يهدأ قلبها.

فبعض القلوب تشعر، من غير دليل واضح، أن في بعض الرحلات رائحة وداعٍ أكبر من ظاهرها.

وفي الطريق، كانت مريم أقل كلامًا من عادتها.

لا لأنها متعبة فحسب، بل لأنها كانت تمضي إلى المكان الذي لا يختصره الكلام.

تنظر من النافذة طويلاً، وتصمت طويلاً، ثم تسأل أحيانًا عن المسافة أو عن وقت الوصول، لا لهفة العابر، بل لهفة من يعرف أن في آخر الطريق مقطعًا كاملًا من روحه.

ولما اقتربت من المدينة، شعرت بشيءٍ في صدرها يضطرب كما اضطرب يوم دخلتها أول مرة وهي حامل بصفية، لكن الاضطراب هذه المرة لم يكن خوف الأم قبل الولادة، بل رجفةُ امرأةٍ عادت إلى موضعٍ شهد كذبة عمرها كله، ثم شهد برهان قلبها بعد ذلك.

وكانت تعرف أن محمد ينتظرها هناك، إمامًا للحرم، لا حفيدًا عاديًا من حفدة البيوت.