وكان هذا بابًا دقيقًا لا يلتفت إليه من لا يعرف البيوت من الداخل.
ففي الرجال وضوحٌ نسبي:
خصومة،
طمع،
حسد،
صفقة،
مؤامرة.
أما في داخل النساء والبيوت، فالخبث أحيانًا أرقّ صوتًا وأبعد طريقًا، لكنه أشد إفسادًا إذا تُرك:
إشاعةٌ تُلقى لتكسر زواجًا،
امرأةٌ تستغل حاجة بنتٍ لتفسدها،
بيتٌ يظلم كنّةً أو يتلاعب بإرثِ يتيمات،
شبكةُ حقدٍ صغيرة تسري تحت المجاملات،
ووجوهٌ تظهر الولاء وتخفي الرغبة في الخراب.
كانت صفية ترى هذا كله.
لا لأنها سوء الظن، بل لأنها مرت في طفولتها وصباها بما يكفي ليجعلها تعرف كيف يتحرك الشر في الزوايا التي لا يراها الرجال.
ولهذا، لم تكن شبكة النساء عندها فقط لنقل الحاجات والصدقات، بل لكشف مواضع الفساد الداخلي أيضًا، من غير فضيحة عابثة، ومن غير تلذذ بتعقب الأسرار.
قالت لنسائها مرةً:
— لا أريد منكن عيونًا تتلصص، بل عقولًا تميز بين ما ينبغي ستره وإصلاحه، وما ينبغي إيقافه قبل أن يفسد بيتًا أو فتاةً أو مالًا.
وكانت هذه العبارة وحدها دستورًا.
فكم من سلطةٍ أفسدها فضولُ من حولها، وكم من إصلاحٍ مات لأن أهله لم يفرقوا بين الستر والتواطؤ.
وفي إحدى القضايا، بلغ صفية خبر امرأةٍ من بيتٍ معروف تستغل حاجة بعض البنات الفقيرات لتجرّهن إلى مواضع ريبةٍ وذل، في صورة مساعداتٍ ظاهرها الخير وباطنها القبح.
لم تثر صفية ضجيجًا، ولم تُلقِ المرأة للفضيحة العامة من أول وهلة.
بل رتبت أمرًا هادئًا، وتثبتت، ثم أرسلت من يقطع الطريق على هذا الباب، وواجَهت المرأة في مجلسٍ محدود من حيث لا تستطيع الإفلات بالكلام.
فلما أنكرت أول الأمر، قالت لها صفية بهدوءٍ قاتل:
— لا تختبئي وراء هيبة بيتك. من يفسد البنات لا يستره نسب.
فانهارت المرأة، لأن الحق إذا قيل في موضعه من غير انفعال زائد، أصاب القلوب الضعيفة في مقتل.
وهكذا بدأ الناس يدركون أن صفية ليست وجهَ رحمةٍ فقط، بل وجهُ حزمٍ يعرف أن الرحمة لا تقوم على ترك الخبث ينخر.