من علامات تحول السنة الثانية أن اسم صفية لم يعد يتردد فقط بين الفقيرات والأرامل والقرى المتعبة، بل بدأ يدخل إلى أسماع نساء البيوت الرفيعة.
لم يدخلهن بوصفه اسم امرأة في الحكم فقط، فمثل هذا قد يثير الفضول أكثر مما يثير الاحترام، بل دخل على هيئة شيءٍ آخر:
حديث عن بيتٍ ربّى أبناءه على القرآن والأرض والفروسية،
وعن امرأةٍ لم تفسدها السلطة،
وعن وقفٍ اتسع،
وعن بناتٍ لم يُهملن،
وعن داخلٍ بدأ يُضبط من غير قسوةٍ فاقدة للعقل.
بدأ الأمر برسائل استفسارٍ مهذبة، ثم بهدايا صغيرة لا تقصد الرشوة بقدر ما تقصد فتح الطريق إلى التعارف، ثم بزيارات نسائية محسوبة، فيها شيءٌ من الاختبار الصامت:
هل هذه المرأة حقًا كما يُقال؟
أم أن الكلام يكبر كلما ابتعد عن أصله؟
دخلت على صفية في تلك السنة نساء من بيوتٍ عُرفت بالجاه، أو بالعلم، أو بالشرف، أو بالقرب من مراكز النفوذ.
وكان بعضهن يدخلن وفي نفوسهن تحفظٌ خفي:
كيف ستتعامل امرأةٌ خرجت من هذه المسيرة كلها مع امرأةٍ عاشت في بيت ميسور أو ذي نسب ظاهر؟
هل ستشعرها بالفارق؟
هل ستفتتن هي بنفسها؟
هل ستكون خشنةً بحجة الصراحة؟
أم متصنعةً بحجة اللطف؟
لكنهن كن يخرجن غالبًا بانطباعٍ واحد يتكرر بصيغٍ مختلفة:
أن صفية تعرف مقامها ولا تتيه به،
وتعرف الناس ولا تُقسّمهم على طريقة التافهات،
وتستطيع أن تجعل المرأة الغنية تشعر أن الغنى ليس حصانتها من التكليف،
وتجعل الفقيرة تشعر أن فقرها لا ينزع عنها الكرامة.
وفي إحدى الزيارات، دخلت امرأة من بيتٍ رفيع وقالت بعد مجلس طويل:
— كنت أظن أن الناس يبالغون في وصفك.
فقالت صفية مبتسمة:
— وهل خرجتِ على ظنكِ الأول؟
فقالت المرأة:
— نعم… لكن لا كما توقعت.
— كيف؟
— ظننت أنهم يمدحون لطفك فقط، فإذا بهم أغفلوا عن أمورٍ أخرى أخطر: أنكِ مرتبة العقل، بعيدة عن الحسد، ولا تُرعبك منازل الناس.
فسكتت صفية لحظة، ثم قالت:
— لأنني بدأت من موضعٍ لو بقيتُ أسيرة الحسد فيه لضاعت حياتي كلها.
وكان هذا الجواب من الجمل التي لا تُنسى، لأنها خرجت من جرحٍ قديم صار حكمة.