إذا أرادت عائلةٌ كبيرة أن ترحل، لم يكن الرحيل مجرد شدّ رحالٍ على عجل، بل طقسًا كاملًا من إعادة ترتيب العالم.
كل شيءٍ يُنظر فيه من جديد:
أي الثياب تُحمل؟
أي الكتب تُقدَّم على غيرها؟
أي الأواني تبقى؟
أي الأدوات الزراعية تُنقل؟
أي الخيول تصلح للطريق؟
أي الأطفال يُجلسون في أي موضع؟
أي النساء يحتجن راحةً أكثر؟
وأي الرجال يتقدمون، وأيهم يتأخرون؟
صار البيت في الأيام التالية كخلية نحلٍ تعرف مقصدها.
تقي الدين يشرف على ما يخص المال، والوثائق، والتحالفات الأولى، والرسائل التي ينبغي أن تصل قبلهم إلى بعض من يعرفونهم في الطرق والبلدان.
سعيد يُعنى بالخيل، والعربات، والزاد، وبالرجال الذين سيرافقون القافلة أول الطريق.
مريم وفاطمة أم سعيد ترتبان ما يخص الأطفال والنساء والولادة المحتملة إذا فاجأتهم فاطمة في الطريق.
أما صفية، فكانت تدير من داخل هذا كله الشيء الأصعب:
أن تجعل البيت يرحل من غير أن يشعر الصغار أنه ينهار.
كان عبدالملك قد صار في سنٍّ يلتقط فيها الكلمات من نصفها، ويجمع بين النظرات، ويفهم أن البوسنة ليست زيارةً قصيرة.
أما أحمد، فكان يسأل أسئلةً متتابعة لا تنتهي:
— هل في البوسنة خيول؟
— هل فيها جبال أعلى؟
— هل المسجد هناك أكبر؟
— هل سنعود بعد أيام؟
وكانت محمد ومريم يكرران بعض الكلمات فحسب، بينما عبدالله يحدق في الصناديق مندهشًا، وخديجة وعائشة تتشبثان بثوب أمهما كلما رأتا حركةً غير معتادة.
وفي إحدى الليالي، جلس سعيد مع عبدالملك قرب المصباح، وقال له:
— سنسافر إلى أرضٍ اسمها البوسنة.
فقال عبدالملك:
— مثل المدينة؟
قال:
— لا.
— مثل بخارستان؟
— لا.
— إذن كيف؟
فنظر سعيد إلى أبيه تقي الدين ثم عاد إلى ابنه وقال:
— مثل أرضٍ تنتظر من يصلحها ويحبها.
فسكت عبدالملك كأنه يفكر أكثر مما ينبغي لسنه، ثم قال:
— وهل سنأخذ المسجد معنا؟
فضحك المجلس، لكن الضحكة انكسرت بشيءٍ من الدمع في عين صفية.
أما تقي الدين فقال:
— لا نأخذ حجارة المسجد، لكننا نأخذ ما بُني فينا فيه.
وهذه كانت خلاصة الرحيل كله.