باب من الرواية

الباب السادس: الأخت الكبرى، حين انقلب الحسد عليها وصارت مرآتها أشد أعدائها

الفصل الحادي والعشرون — الخيط الأسود الذي انقطع قبل الولادة

وكان في هذه السلسلة امرأةٌ أخرى لا يمكن أن تُذكر الأحداث من دون أن يُشار إلى ما صنعه الحسد بها.

الأخت الكبرى، التي مرت في حياة صفية طويلًا كوجهٍ مزدوج:

يظهر من الخارج بما يشبه الحنان حين يحضر الناس،

ويخفي في الداخل سوادًا قديمًا،

ذلك السواد الذي يجعل الإنسان يختنق من نور غيره بدل أن يفرح له.

لم يكن حقدها من النوع الصاخب دائمًا، بل من النوع البارد المزمن؛

حقدٌ يتغذى من المقارنة،

من شعورها أن صفية، رغم ما مرت به، بقي فيها شيءٌ نقي لا تملكه هي،

ومن غيظها أن من أُريد لها أن تنكسر خرجت بعد كل شيء أصلب مما توقعت.

فلما بلغها أن صفية وصلت إلى أهلها، وأكرمها أبوها، وبنى لها الأرض، ثم حملت بعبدالملك، لم تحتمل الخبر على صورته الطبيعية.

لم ترَ فيه خبرًا عن امرأة نُصرت، بل رأت فيه فضيحةً لنفسها هي.

كأن قيام صفية كان سقوطًا لها، وكأن نجاتها كانت اتهامًا ضمنيًا لكل من شارك في خذلانها أو أذاها.

بدأت تتصرف باضطرابٍ عجيب.

مرةً تتظاهر بالهدوء الكامل، ومرةً تنفجر في خصامٍ لا علاقة له بالموضوع، ومرةً تكثر السؤال عن الأخبار حتى يفضحها فضولها، ومرةً تنعزل يومين أو ثلاثة ثم تعود بعينين محمرتين كأنها سهرت مع نفسها في محكمةٍ لا قاضٍ فيها إلا المرآة.

وفي مجلسٍ نسائيٍّ عابر، امتدحت امرأةٌ غائبة صفية من غير أن تقصد الطعن في أحد، فقالت فقط:

— سبحان الله، يبدو أن الله كتب لتلك المرأة فرجًا كبيرًا.

فلم تتمالك الأخت الكبرى نفسها، وقالت بحدة:

— بعض الناس يعرفون كيف يمثلون الطهر.

فساد المجلس لحظة.

لأن الجملة في ظاهرها عابرة، لكنها في باطنها كانت اعترافًا بأن في القائل شيئًا محروقًا.

رجعت إلى بيتها يومئذٍ وهي في غاية الاضطراب.

وقفت أمام المرآة طويلًا.

وكانت هذه من المرات النادرة التي ترى فيها الإنسانة وجهها كما هو:

لا التبرير الذي تعيش به،

ولا القصص التي تحكيها للناس،

بل صورتها حين تنفض عنها الزينة الاجتماعية كلها.

قالت لنفسها، لا توبةً بل خوفًا:

— لماذا لم تنتهِ؟

وكان السؤال موجعًا؛ لأن وراءه اعترافًا مخفيًا بأنها كانت تنتظر فعلًا أن تنتهي صفية، وأن لا تقوم لها قائمة.

لكن المرايا لا ترحم.

فكلما حدقت في وجهها أكثر، رأت أن الذي انتهى حقًا لم يكن صفية، بل بقية السلام في نفسها.

ولذلك لم يكن سقوطها سريعًا كالسقوطات الأخرى، بل كان بطيئًا، أشبه بتآكلٍ داخلي.

علاقاتها تفسخت،

صارت محل ريبة من بعض من كانوا حولها،

واشتد بها التوتر حتى غدت سجينة عصبيتها،

ثم راحت تعيش في دوامةِ خصوماتٍ ومراراتٍ صغيرة أكلت ما بقي لها من اتزان.

وكانت هذه واحدة من العدالات الخفية في الدنيا:

أن من يعش طويلًا على مقارنة نفسه بغيره يفقد في النهاية القدرة على احتمال صورته.