ما إن استقر الرأي على موضع البناء حتى بدأت الحركة.
وجيء بالبنّائين والنجارين وأهل الحجر والخشب، وصار المكان الذي كان بالأمس أرضًا ساكنة يتحول بالتدريج إلى ورشة حياة.
وكان سعيد من الرجال الذين لا يكتفون بالنظر من بعيد.
نزل بنفسه إلى تفاصيل البناء، يقيس، ويسأل، ويراجع، ويختبر مواضع الغرف، ويقترح أين يكون المجلس، وأين يكون مخزن الحبوب، وأين تُعدّ الجهة التي تصلح لإسطبل الخيل في المستقبل.
أما تقي الدين فكان يوازن بين الرؤية العملية ورؤية القلب؛ يريد بيتًا واسعًا يستقبل، لكنه لا يريده بيت ترفٍ فارغ، بل بيتًا يصلح للعلم، وللسكن، وللعائلة الكبيرة التي تتسع مع الأعوام.
وفي أحد الأيام، احتدم نقاشٌ لطيف بين البنّاء الرئيسي وسعيد حول ترتيب موضع الساحة الداخلية.
قال البنّاء:
— الأفضل أن تكون الساحة هنا، قريبةً من المدخل.
فقال سعيد:
— لا، بل تكون في الداخل، حتى يكون للبيت حرمه وهدوؤه.
ثم التفت إلى صفية وسألها:
— وأنتِ ما رأيك؟
فقالت بعد تأمل:
— اجعلوا الساحة في الداخل، لكن افتحوا لها جهةً على الأشجار. أريد للبيت أن يشعر كلما تنفس أنه في أرضٍ حية.
فنظر البنّاء إلى تقي الدين وقال ضاحكًا:
— يبدو أن سيدة البيت ترى بعين الشاعر والزارع معًا.
فقال تقي الدين:
— دعك من الضحك وافعل ما قالت.
أما المسجد، فقد كان أمره عند صفية أعجل من أمر الغرف.
قالت لأبيها يومًا وهي تشاهد العمال:
— لا أريد أن يكتمل البيت قبل أن يوضع موضع السجود.
فقال:
— أفهمك.
ثم أمر أن يبدأ أساس المسجد الصغير في الجهة القريبة من البستان، على أن يتسع لاحقًا إذا كبر البيت وكبرت السلالة.
وجاء نجارٌ عجوز ليصنع باب المسجد الأول، وكان رجلاً محبًا لعمله، إذا طرق الخشب بيده شعر أنه يكلم شيئًا حيًا.
فسأل صفية:
— أأي نوعٍ من الأبواب تريدين؟
فقالت:
— بابًا بسيطًا، لكن إذا فتحه المرء شعر أنه دخل سكينة.
فقال الرجل مبتسمًا:
— هذه أصعب الأبواب، لكنها أجملها.
وكانت مريم تخرج أحيانًا مع صفية لترى تقدم البناء، فتقفان تحت ظل شجرة وتراقبان الرجال وهم يرفعون الحجر فوق الحجر.
وفي إحدى تلك الوقفات، قالت مريم:
— يا ابنتي، حين ولدتكُ قرب الحرم تمنيتُ فقط أن أراكِ تكبرين أمامي. لم أتخيل يومًا أنني سأقف معكِ هنا وأنتِ تبنين بيتكِ ومسجدكِ.
فقالت صفية:
— وأنا لم أتخيل يومًا أنني سأبني شيئًا في الدنيا وأنا أعرف أخيرًا من أنا.
ثم وضعت يدها على الجدار الذي لم يجفّ طينه بعد، وقالت:
— هذا البيت لا يُبنى من الحجر وحده يا أمي. يُبنى من اسمٍ عاد، ومن دعاءٍ لم يمت.