باب من الرواية

الباب الخامس: الزيارة الأولى إلى الأرض، وحكاية الحارس العجوز الذي قال إن بعض الأراضي تنتظر أصحابها

الفصل التاسع عشر — بخارستان بعد اللقاء

خرجوا بعد يومين إلى المزرعة.

كانت تقع في طرفٍ أهدأ من أطراف بخارستان، يجاوره بستانٌ ممتد، وأرضٌ تنحدر برفق نحو جدول ماءٍ صغير، وفي أطرافها أشجارٌ قديمة من الجوز والتفاح، وبعض الحقول المفتوحة التي تصلح للزراعة والرعي معًا.

ولمّا وصلت صفية، توقفت طويلًا عند أول المشهد.

لم تكن ترى مجرد أرض، بل كانت ترى مستقبلًا كاملًا على هيئة تربةٍ مفتوحة.

رأت في خيالها بيتًا يرتفع هنا، ومصلى صغيرًا هناك، ثم مسجدًا أكبر حين يتسع الأمر، ورأت أطفالًا يركضون بين الأشجار، ورأت خيولًا تُربط في الجهة الشرقية، ورأت سعيدًا وتقي الدين واقفين في طرف المكان يخططان لشيءٍ أكبر من سكنٍ عادي: لبيتِ سلالة.

وكان مع المزرعة حارسٌ عجوز اسمه يونس، رجلٌ نحيل ذو لحيةٍ بيضاء قصيرة، وعينين فيهما صفاء البسطاء الذين عاشوا مع الأرض حتى صاروا يشبهونها.

ولمّا قُدمت له صفية، ظل ينظر إليها لحظةً ثم قال:

— سبحان الله…

فسأله تقي الدين:

— ما بالك يا يونس؟

فقال العجوز:

— هذه الأرض منذ سنين لا تطمئن لمن يدخلها. كلما جاءها أحد أحسستُ أنها تنفر. واليوم فقط… لا أدري… كأنها سكنت.

ابتسم تقي الدين، وقال:

— هذه ابنتي، والمزرعة لها.

فقال يونس من غير تكلف:

— نعم… الآن فهمت. بعض الأراضي تنتظر أصحابها كما تنتظر القلوب أبناءها.

وكان من طبع صفية أن تتعلق بالجمل التي تأتيها على ألسنة البسطاء إذا وافقت ما في قلبها، فحفظت هذه الجملة في داخلها.

ثم مضت مع أبيها وسعيد في أنحاء المزرعة.

وقفوا عند الجدول، فقال سعيد:

— هنا يصلح موضع الساقية.

وقال تقي الدين:

— والبيت ينبغي أن يكون في الجهة المرتفعة، حتى يرى السهل ولا تغمره رطوبة الشتاء.

فقالت صفية وقد امتلأت عيناها بالمكان:

— وأين يكون المسجد؟

فنظر إليها أبوها نظرةً أعجبته، ثم قال:

— المسجد أول ما فكرتِ فيه؟

قالت:

— لأن البيوت تُبنى بالحجارة، أما البركة فتحتاج موضعًا تنزل فيه أولًا.

فضحك تقي الدين من قلبه، وقال لسعيد:

— هذه ابنتي حقًا.

ثم جلسوا تحت شجرة جوزٍ كبيرة في طرف المزرعة، وأخرج يونس إبريق شايٍ بسيطًا صنعه على موقدٍ صغير.

وبينما كانوا يشربون، حكى لهم العجوز حكايةً قديمة عن امرأةٍ صالحة كانت تمرّ بهذه الأرض في شبابها وتقول:

“سيأتي على هذا الموضع يومٌ يقوم فيه بيتٌ يخرج منه رجالٌ للثغور، ونساءٌ يحفظن البيوت بالعلم والإيمان.”

ولم يكن أحد يعرف إن كانت الحكاية صحيحة أم من قصص الذاكرة الشعبية التي تخلط الصدق بالرمز، لكن وقعها في نفس صفية كان عجيبًا.

نظرت إلى الأفق، وشعرت أن المزرعة لا تستقبلها من الخارج فقط، بل من الداخل أيضًا.