وبعد أيامٍ من سكون القلب النسبي، دعا تقي الدين صفية وسعيدًا إلى مجلسه بعد العصر.
كان وجهه يومئذٍ أكثر جديةً من المعتاد، لكنّ في عينيه شيئًا من الضوء الذي يسبق الأخبار السعيدة.
قال لهما بعد أن جلسا:
— لقد فكرت كثيرًا منذ عودتك يا صفية.
ثم سكت لحظة، وأضاف:
— من سرقوا منك الاسم، سرقوا مع الاسم أول الطريق. وأنا لا أستطيع أن أردّ السنوات، لكنني أستطيع أن أبدأ لك طريقًا جديدًا لا يقوم على العطف وحده، بل على الثبوت.
نظرت إليه صفية في انتباهٍ عميق، أما سعيد فمال بجسده قليلًا إلى الأمام، يعرف أن ما سيقال الآن ليس من الكلام العابر.
قال تقي الدين:
— عند أطراف بخارستان مزرعة واسعة كنتُ أحتفظ بها، فيها أرض خصبة، وماء، وموضع يصلح للسكن والبناء. وقد عزمت أن أجعلها لكما.
ثم نظر إلى صفية مباشرةً وقال:
— أريد أن يكون لكِ في الأرض موضعٌ لا يُنتزع.
ولم تفهم صفية الجملة كلها أول الأمر من شدة ما باغتها الخبر.
ظلت تنظر إليه، ثم إلى مريم، ثم إلى سعيد، كأنها تستوثق أن الكلمات لم تُسمع على غير حقيقتها.
قالت بصوتٍ مرتجف:
— لي… أنا؟
فقال:
— لكِ ولبيتكِ الذي سيقوم منكِ.
ثم أضاف بعد لحظة:
— لا أريد أن تبقي عائدةً إلى بيتنا فحسب، بل أريد أن يكون لكِ بيتكِ أنتِ، وأرضكِ أنتِ، ومسجدكِ الذي يُرفع فيه الأذان ويشهد أن هذا الخطأ القديم لم ينتصر.
هنا غلبت صفية دموعها، وانحنت إلى يد أبيها تقبّلها، فمنعها ورفعها إليه.
وقالت:
— يا أبي… لقد رددتَ إليّ اليوم أكثر من أرض.
فقال:
— أنا فقط أحاول أن أعتذر للتاريخ عن تأخر الجبر.
أما سعيد، فكان صامتًا على طريقة الرجال إذا عظمت النعمة وخشوا أن تفسدها البلاغة.
ثم قال أخيرًا:
— والله يا عمّ، ما حفظتُ صفية إلا وقد رأيت فيها معدنًا عظيمًا، لكنني اليوم أفهم من أين جاء.
فنظر إليه تقي الدين نظرة تقدير، وقال:
— وأنت يا سعيد، ما كنتَ في هذه القصة زوجًا فقط… كنتَ سترًا من الله.
وكانت هذه أول مرة يسمع فيها سعيد من والد صفية اعترافًا مباشرًا بهذه الصيغة.
فأطرق احترامًا، وشعر أن المزرعة التي ستُمنح لهما لم تكن هبة أرض فحسب، بل كانت عقد ثقة بين رجلين جمعتهما امرأةٌ عظيمة القدر في الرواية وفي القلب.