باب من الرواية

الباب الثالث: الأب الذي خرج بابنته إلى المدينة، كأنما يعرّف الحجر على اسمها من جديد

الفصل التاسع عشر — بخارستان بعد اللقاء

في اليوم الثالث، قال تقي الدين لصفية بعد الفجر:

— اذهبي واستعدي… سأخرج بك اليوم.

نظرت إليه في دهشةٍ محببة، وقالت:

— إلى أين؟

فقال:

— إلى بخارستان… ولكن لا كما رآها الغرباء، بل كما يريها الأب ابنته.

وكانت هذه الجملة وحدها كافيةً لأن تملأ صدرها بشيءٍ من الهيبة الحلوة.

لأن الآباء لا يورثون أبناءهم البيوت والأموال فقط، بل يورثونهم أيضًا طريقة النظر إلى المكان، فيصبح الشارع شجرةَ نسب، ويصبح السوق ذاكرةً، ويصير الحجر شاهدًا.

خرجت معه، وسعيد إلى جوارهما، يمشي في الخلف قليلًا كأنه يعرف أن بين الأب وابنته كلامًا ينبغي أن يكون له مجاله الخاص.

كان الصباح باردًا على نحوٍ لطيف، والمدينة قد بدأت تستيقظ، لكنّ الناس ما يزالون أقل من زحمة الظهيرة.

مرّ تقي الدين بها على أحياءٍ قديمة، وأشار إلى مسجدٍ قديم وقال:

— هنا كنت آتي وأنا شاب، قبل أن تتسع المسؤوليات، وقبل أن تثقلني السنون.

ثم أشار إلى مكتبةٍ حجرية قديمة وقال:

— وهنا اشتريت أول نسخةٍ من كتابٍ لازمني أعوامًا.

ثم وقف عند ممرّ ضيق تتدلى فوقه نباتاتٌ متسلقة وقال:

— وهنا مرةً وقفتُ طويلًا أدعو الله أن يردّ إليّ شيئًا لا أدري أين ضاع.

التفتت إليه صفية بسرعة، فلم يكمل.

لكنها فهمت.

وأدركت أن الأب الذي كان يبدو صلبًا ساكنًا، قد عاش في داخله من الفقد ما لم يظهره لأحد.

قالت له بعد صمت:

— هل كنتَ تذكرني كثيرًا؟

فقال من غير التفات، كأنه يخشى إن نظر في عينها أن تفضحه دموعه:

— لا يمر يومٌ من غيرك. لكن الرجال لا يبكون كل يوم أمام الناس. بعضهم يجعل بكاءه دعاءً، وبعضهم يجعله صمتًا.

وسارت إلى جواره، وشعرت أن هذه الجملة وحدها ردّت إلى أبيها في قلبها أعوامًا لم تعشها معه.

ثم مرّا برجلٍ مسنّ يجلس عند دكانٍ صغير لبيع الخبز.

فلما رأى تقي الدين، نهض مرحبًا به، ثم نظر إلى صفية وقال:

— من هذه؟

فأجابه تقي الدين بصوتٍ اعتدل فيه الوقار والفرح معًا:

— ابنتي.

ولم يزد.

لم يقل: ابنتي العائدة، ولا ابنتي التي ضاعت، ولا ابنتي التي ظنناها ماتت.

قالها مجردةً كاملة: ابنتي.

وكانت الكلمة في بساطتها أعظم من كل الشروح.

أما الشيخ، فقد بارك له، ثم قال وهو يتأمل وجه صفية:

— نعم… الآن فهمتُ لماذا كان وجهك حزينًا أعوامًا.

فابتسم تقي الدين ابتسامةً خفيفة، ومضى.

وفي تلك الجولة، لم تتعرف صفية على المدينة فحسب، بل تعرفت على أبيها أيضًا: كيف يصمت، وكيف يختصر، وكيف يحمل آلامه كما يحمل السيوف القدامى أغمادهم؛ ثابتةً في الظاهر، جارحةً في الداخل.