ولأن البيوت الكبيرة لا تعيش بالعاطفة وحدها، فقد جاء بعد اللقاء وقتُ الجلوس، والتعارف، وعودة الأسماء إلى مواضعها العملية.
وفي تلك الليلة اجتمع البيت كله حول مائدة عشاءٍ أرادت مريم أن تكون أول مائدة تجلس إليها صفية لا كضيفة، بل كابنةٍ عادت بعد طول غياب.
كان الضوء دافئًا، والمائدة عامرةً بما أعدته النساء على عجلٍ محب، لا على رسم الولائم المتكلفة.
وفي مثل تلك المجالس يظهر معدن البيوت: أيكون الطعام وحده هو الحاضر، أم تكون المحبة أيضًا؟
وكانت المحبة هنا أثقل من الأطباق.
جلس تقي الدين في صدر المجلس، لا بتكبر الرؤساء، بل بهيبة الآباء إذا شعروا أن الله ردّ إليهم نعمةً عظيمة فيتأدبون معها.
وعلى يمينه مريم، وعلى مقربة منهما صفية وسعيد، ثم توزّع الإخوة: رشيدة، وحميدة، وعماد الدين، وبدر الدين، وحسام الدين، وآية بنت عماد الدين، وكلٌّ منهم يحمل في نظرته شيئًا مختلفًا إلى الأخت العائدة.
أما رشيدة، فكانت تنظر إلى صفية بعين الأخت الكبرى التي لا تريد أن تخيفها بفيض عاطفتها، فتكتفي بابتسامةٍ طويلةٍ فيها وعدٌ صامت: سيكون لكِ عندي ما فاتكِ من حنان الأخوات.
وأما حميدة، فكانت أكثر صراحةً في دموعها؛ كلما نظرت إليها امتلأت عيناها، ثم تستدرك نفسها وتلتفت إلى شيءٍ في المائدة كي لا تبكي أمام الجميع.
وأما الرجال، فكانوا في هيبةٍ ظاهرة تخفي وراءها رقةً ضخمة، لأن الأخ إذا قيل له بعد عمرٍ من الفقد إن هذه أختك التي لم تمت، لم يعد يعرف كيف يجمع بين وقار الرجولة وفرح الطفولة.
وفي أثناء الطعام، قال عماد الدين وهو يبتسم ابتسامةً هادئة:
— أظن أن البيت لم يعرف من قبل هذا القدر من الارتباك الجميل.
فقال سعيد:
— الارتباك الجميل علامةُ أن القلوب ما زالت حية.
فضحك بدر الدين وقال:
— إذن فبيتنا اليوم حيٌّ أكثر من اللازم.
ثم التفت حسام الدين إلى صفية وقال، وقد كان أقلهم كلامًا:
— أتعلمين؟ كنا نسمع أمنا تذكر اسمك أحيانًا ثم تسكت، وكنا نفهم أن في القلب قصةً لا تريد أن تفتحها. اليوم فقط فهمتُ لماذا كان سكوتها أثقل من الكلام.
هنا انخفضت عين مريم، وغلبتها دمعةٌ حاولت سترها.
أما صفية، فلم تقدر على الجواب أول الأمر، ثم قالت:
— وأنا أيضًا كنت أعيش شيئًا لا أستطيع تفسيره. كأن روحي تعرف أن لها أهلًا لم أرهم، وتشتاق إلى بيتٍ لم أدخله قط.
فساد صمتٌ عميق.
وكان ذلك الصمت من أجمل ما في المجلس، لأنه لم يكن صمت حرج، بل صمت اعترافٍ بأن بعض الجروح لا تحتاج إلى أن تُشرح كاملةً حتى تُفهم.
وفي آخر العشاء، قامت آية بنت عماد الدين، وكانت فتاةً ذكية العينين، هادئة القسمات، وقالت لصفية:
— سأريكِ غدًا البيت كله… لا أريدك أن تبقي غريبةً عن زاويةٍ واحدة فيه.
فابتسمت صفية لأول مرة منذ وصولها ابتسامةً واسعة صافية، وقالت:
— وأنا لا أريد أن تبقى زاويةٌ واحدة في قلبي غريبة عنكم.
وهنا شعر تقي الدين أن الله لم يرد إليه ابنةً فحسب، بل ردّ إلى بيته اكتماله.