باب من الرواية

الباب الأول: الأيام التي لم يهدأ فيها البكاء، لأن الفرح نفسه كان يوجع

الفصل التاسع عشر — بخارستان بعد اللقاء

لم يكن اللقاء العظيم عند الباب خاتمة الجرح كما يظن من يقرأ الحكايات من ظاهرها، بل كان في الحقيقة بداية الشفاء الصحيحة، والشفاء الصادق لا يأتي دائمًا في صورة سكون، بل كثيرًا ما يبدأ برجفةٍ جديدة، لأن الروح إذا استردت دفعةً واحدة ما فقدته على مدى العمر، اضطربت أولًا قبل أن تهدأ.

في الأيام الأولى بعد اللقاء، كانت صفية تمشي في بيت أبيها وأمها كأنها تمشي في رؤيا لم تكتمل بعد.

تدخل الغرفة فتقف لحظةً عند عتبتها، لا لأنها لا تعرف أين تجلس، بل لأنها ما كانت قد تعودت بعدُ أن يكون لها موضعٌ مشروع في بيتٍ لا تحتاج فيه إلى الاعتذار عن وجودها.

وكانت كلما سمعت مريم تناديها:

— يا صفية

يرتجف شيءٌ في داخلها، لا من الألم هذه المرة، بل من رهبة الجبر.

فالاسم الذي ضاع عمرًا كاملًا، ثم عاد يُقال في فمه الصحيح، لا يدخل القلب كما تدخل الكلمات العادية؛ يدخل كالماء إلى أرضٍ محروقة، فيحييها ويؤلمها في آنٍ واحد.

وفي إحدى الصباحات، استيقظت قبل الجميع، وخرجت إلى الساحة الصغيرة الملحقة بالبيت.

كان الفجر لا يزال متعلقًا بأطراف السماء، والندى على أوراق الشجر خفيفًا مثل دموعٍ بردت بعد بكاء الليل.

وقفت هناك وحدها، ثم وضعت يدها على صدرها، وقالت همسًا كأنها تختبر الحقيقة مرةً أخرى:

— أنا صفية… أنا حقًا صفية.

ولم تكن تكلّم الهواء، بل كانت تكلم الأعوام التي مرّت عليها باسمٍ آخر، وتريد أن تُسمعها أن الكذب الطويل انكسر أخيرًا.

خرجت مريم من الداخل فرآتها، فاقتربت ببطءٍ من غير أن تقطع عليها خلوتها.

وقفت إلى جوارها، ثم قالت:

— لم تنامي جيدًا؟

فابتسمت صفية، وقالت:

— نمت… لكنني كلما استيقظت خشيت أن أكون ما زلت في الحلم.

فمدّت مريم يدها إلى وجنتها، ومسحتها كما تمسح الأمهات خوفًا قديمًا، وقالت:

— لهذا ألمسك كل ساعة… حتى أطمئن أنا أيضًا.

ثم سكتت قليلًا، وأضافت بصوتٍ مكسور وحنون:

— يا ابنتي، لا تعتذري لقلبك إن بكى كثيرًا في هذه الأيام. الفرح إذا جاء متأخرًا لم يدخل على هيئة ابتسامة فقط… يدخل أحيانًا على هيئة دموعٍ لا تنتهي.

فأطرقت صفية رأسها، ثم وضعت رأسها على كتف أمها كما لو أنها تستدرك ببطءٍ طفولةً كاملةً سُرقت منها.

وفي تلك اللحظة، شعرت لأول مرة أن الجبر ليس خبرًا سمعته، بل جسدًا يضمها.