باب من الرواية

الباب الثالث: الطريق إلى المطار، والمدينة التي بدت بعيدة وهي تحت عينيها

الفصل الثامن عشر — الطريق إلى بخارستان

كانت المدينة في ذلك الصباح تمارس حياتها العادية ببرودةٍ تكاد تكون جارحةً لمن يحمل في قلبه زلزالًا.

الناس يعبرون الأرصفة، المحال تُفتح، السيارات تتدفق، والوجوه متشابهة في انشغالها.

لكن صفية كانت ترى كل ذلك كمن يراه من وراء زجاجٍ سميك؛ حاضرًا لكنه بعيد، متحركًا لكنه لا يمسها.

في السيارة، جلست قرب النافذة، وكانت تتابع الأبنية وهي تمرّ، ثم تغيب، ثم تأتي بدلها أبنية أخرى، كأن العالم يريد أن يذكّرها بحقيقته البسيطة: أن كل شيء يمضي.

غير أن ما كان يمضي داخلها لم يكن أبنيةً ولا شوارع، بل مراحل كاملة من حياتها.

رأت في خيالها نفسها طفلةً في البيت الأول، تحمل جرّة الماء الصغيرة، وتتعثر في طرف الساحة الترابية، ثم ترفع رأسها لترى امرأةً ربّتها، فتجد في قلبها محبةً ممزوجةً بحيرة.

ثم رأت نفسها شابةً تدخل زواجًا كسيرًا، وتخرج منه وكأنها تحمل على ظهرها أعمارًا لا عامًا أو عامين.

ثم رأت نفسها في بيت سعيد، تحاول أن تعيد ترتيب روحها، فإذا بالحرب الخفية تشتعل عليها من جديد.

ثم الرؤى، ثم القرآن، ثم العلاج، ثم الاسم.

وها هي الآن في الطريق إلى الموضع الذي سيجعل هذه الخيوط كلها تنعقد في عقدةٍ واحدة.

أحست بيد سعيد على يدها.

لم يقل شيئًا أول الأمر.

ثم قال وهو ينظر إلى الطريق:

— لم أركِ يومًا هكذا.

قالت:

— كيف؟

قال:

— كأنكِ تمشين وفي داخلكِ ألف باب مفتوح.

ابتسمت على رغم اضطرابها، وقالت:

— لأنني ذاهبة إلى الباب الذي يقف وراءه الجميع.

ثم سكتت، وأضافت بعد لحظة:

— أتظن أنهم كانوا يشعرون بي طوال هذه السنين؟

فقال:

— الأم تشعر بابنتها ولو ضاعت عنها الجهات. والأب… أحيانًا يسكت الرجال عن أوجاعهم، لكن السكوت لا يعني الغياب.

وهذا الكلام، على بساطته، كان يكفي ليحفظ المعنى من السقوط.

فأراحت رأسها قليلًا، وتركت المدينة وراءها، وهي تشعر أن الرحيل الحقيقي لم يبدأ من هنا، بل من يوم بدأت الحقيقة تتسلل إلى قلبها حتى صارت الآن أكبر من أن تبقى مؤجلة.