باب من الرواية

الباب الثاني: استعدادات الرحيل، وما قالته الأشياء الصغيرة قبل أن يقول الناس كلماتهم

الفصل الثامن عشر — الطريق إلى بخارستان

حين أقبل الفجر، بدا البيت كأنه يستيقظ على خبرٍ يعرف أهميته، وإن لم يفهمه.

الكوب الموضوع على الطاولة، المعطف المعلّق قرب الباب، المصحف الصغير الذي وضعته صفية في حقيبتها، حتى الساعة نفسها بدت كأنها تنظر إليهما بجديةٍ لم تكن فيها من قبل.

وقفت صفية أمام المرآة.

لم تكن تتزين تزين امرأةٍ خارجةٍ إلى مناسبة، بل كانت ترتب ملامحها كما يرتب الناس كلماتهم قبل المثول بين يدي قاضٍ عظيم.

وتأملت وجهها طويلًا.

رأت فيه شيئًا من تعب السنوات، نعم، ورأت فيه أثر الحروب التي خاضتها وحدها قبل أن يأتي سعيد، لكنها رأت أيضًا شيئًا جديدًا، شيئًا لا يشبه الانكسار القديم: وقار امرأةٍ بدأت تعرف أن الله لم يكن يؤخر المعاني الكبيرة عبثًا.

دخل سعيد، فرآها واقفةً أمام المرآة، فقال بمزاحٍ خفيف أراد به أن يسرق من قلبها شيئًا من التوتر:

— أأنتِ ذاهبة إلى لقاء أم إلى معركة؟

فنظرت إليه من خلال المرآة وقالت:

— إلى شيءٍ بينهما.

فضحك ضحكةً قصيرة، ثم قال:

— إذن خذي معكِ قلبًا ثابتًا وسيفًا من دعاء.

وفي أثناء ترتيبهما للأمتعة، وقعت من بين الأوراق ورقةٌ قديمة كانت صفية قد كتبت فيها قبل أشهر خواطر مبعثرة عن الاسم والرؤى والخوف من اليأس.

التقطتها، وأرادت أن تضعها جانبًا، لكن سعيد أخذها وقرأ سطرًا منها بصوتٍ خافت:

— “أخاف أن أصل متأخرةً إلى الحقيقة.”

ثم رفع رأسه إليها وقال:

— لم تصلي متأخرة. أنتِ تصلين في الوقت الذي فتحه الله.

هنا سكتت، لكن عينها امتلأت بدمعةٍ لم تسقط.

وفي ذلك الصباح، أدركت أن الرحلات الكبرى لا تبدأ حين تتحرك السيارة أو تقلع الطائرة، بل تبدأ حين يقال في البيت أول كلامٍ يربت على القلب قبل الطريق.

وقبل خروجهما بدقائق، جاءت جارةٌ كبيرة السن تسأل عن سبب هذا السفر المبكر، وكانت امرأة طيبة من اللواتي يملكن فطرةً تتعقب الحزن والفرح في الوجوه.

فلما نظرت إلى صفية، قالت بلا مقدمات:

— هذا سفرٌ ليس بعده رجوع كما قبله.

تعجبت صفية من العبارة، فقالت المرأة:

— لا أقصد أنك لن ترجعي إلى بلدك، بل أقصد أنك سترجعين وأنتِ غير المرأة التي خرجت الآن.

ولم تعرف صفية ماذا تقول.

أما سعيد فشكرها، ومضيا.

وظلت الجملة تمشي مع صفية في الطريق الأول:

سترجعين وأنتِ غير المرأة التي خرجت الآن.