لم تكن تلك الليلة شبيهة بغيرها من الليالي التي مرّت على صفية منذ زواجها بسعيد، ولا حتى شبيهة بالليالي الثقيلة التي عاشتها في مراحل المرض والرؤى والعلاج والانتظار.
كانت ليلةً تختلف في مادتها نفسها، كأن الساعات فيها لم تُخلق من الزمن، بل من الرجفة.
كل دقيقةٍ فيها كانت تمشي على مهل، لكنها تمشي محمّلةً بما لا تطيقه الدقائق عادة: احتمال أن ترى أمها بعد غيابٍ لم تعشه الأم وحدها، بل عاشته الابنة أيضًا من غير أن تعرف اسمه كاملًا، واحتمال أن ترى أباها، لا بوصفه صورة بعيدة في الحكايات، بل بوصفه رجلًا من لحمٍ ودمٍ، له صوتٌ، وله عينان، وله يدان يمكن أن تلامسا وجهها أخيرًا.
جلست صفية قرب النافذة، وقد تركت المصباح الخافت مضاءً في طرف الغرفة، كأنها تخاف إن أطفأته أن تنفرد بها الأفكار أكثر مما تحتمل.
كانت الحقيبة الصغيرة عند الباب، جاهزةً للسفر، ولكنها لم تكن ترى فيها ثيابًا وأوراقًا فحسب، بل كانت ترى فيها عمرًا بأكمله مطويًا على هيئة غدٍ واحد.
أما سعيد، فكان يراجع تفاصيل الطريق للمرة الثالثة.
لا لأنه نسيها، ولا لأن الأمر يستدعي كل هذا التدقيق، بل لأن الرجل حين يعجز عن تهدئة من يحب، يفتش عن عملٍ يفعله بيديه حتى لا يشعر بالعجز كاملًا.
كان ينظر في الأوراق، ثم يعيد ترتيبها، ثم يقف، ثم يعود فيجلس، ثم يلتفت إليها فلا يجد وجهها في الغرفة، بل يجد روحها في مكانٍ أبعد من الجدران.
قال لها وهو يقترب برفق:
— لم تنامي؟
ابتسمت ابتسامةً صغيرة متعبة، وقالت:
— أظن أن النوم الليلة خاف مني.
جلس قبالتها، ثم نظر قليلًا إلى النافذة، كأنه يريد أن يشاركها المشهد قبل أن يشاركها الكلام.
قال:
— ليس الطريق هو الذي يخيفك.
قالتها عيناها قبل لسانها: نعم.
فأكمل:
— أنتِ تخافين من لحظة الباب.
هنا انخفضت عينها قليلًا، ومرّت يدها على طرف ثوبها في حركةٍ لا تصدر إلا عن قلبٍ لم يعد يعرف أين يضع ارتجافه.
قالت بصوتٍ هادئ مكسور:
— أخاف أن أصل، ثم أعجز عن الكلام. أخاف أن أراهم، فأصير أصغر من أن أقول شيئًا. أخاف أن يسبق البكاء اسمي.
فقال سعيد:
— دعيه يسبق.
ثم مال نحوها قليلًا وأضاف:
— الاسم الذي خرج من قلبك بعد هذا العمر، لا يحتاج إلى فصاحة. يكفي أن يخرج صادقًا.
وسكتت صفية لحظةً، ثم قالت:
— أحيانًا أشعر أنني ذاهبة لأطرق باب حياتي كلها، لا باب بيت.
فقال:
— وهذا صحيح.
كانت هذه من الجمل القليلة التي إذا قيلت في لحظتها لم تُطفئ النار، لكنها منعت الروح من أن تحترق وحدها.
فأغمضت عينيها، واستندت إلى حافة المقعد، وفي داخلها كانت طفلةٌ لا تزال تركض في ليل القرية القديمة وهي لا تعرف لماذا كانت تشعر كلما نظرت إلى وجهٍ من الوجوه أنها ابنة مكانٍ آخر.
وفي آخر الليل، قامت فصلّت طويلًا، لا على هيئة من يؤدي فرضًا وحسب، بل على هيئة من يضع خوفه كله في السجود.
وكانت كل سجدة تقول فيها جملةً واحدة تتكرر كأنها تعويذةُ نجاة:
يا رب، لا تجعل هذا الجبر ناقصًا.