الفصل السابع والثلاثون

الفصل السابع والثلاثون — الطريق إلى اليوم المشؤوم

حين اجتمعت في البيت كل ثمار السنين، ثم بدأت الريح تمشي حولها ببطءٍ لا يخطئه القلب

0 باب

الباب الأول: السنة التي صار فيها الهدوء أثقل من الصخب

لم يكن الطريق إلى اليوم المشؤوم طريقًا مفاجئًا في حسّ الأرواح العميقة، وإن جاء في ظاهر السياسة على صورة ضربةٍ مباغتة.

فبعض الكوارث لا تبدأ عند الانفجار،

بل تبدأ حين يتغير شكل السكون في البيت،

حين تصير المجالس أكثر اكتمالًا من المعتاد حتى كأنها تودع نفسها،

وحين يزداد النصر من الخارج، لكن القلب في الداخل لا يطمئن إليه تمامًا،

وحين يكثر حضور الوجوه الكريمة في موضعٍ واحد حتى يخاف من يعرف السنن أن يكون اكتمال الصورة بشير انتقالها.

وكان بيت صفية يومها في ذروةٍ نادرة:

عبدالملك في الحكم والفتح،

سعيد ما يزال قائمًا كشيخ المؤسسين وموضع المشورة التي لا يُستغنى عنها،

صفية ما تزال روح الداخل،

عبدالله صار ضلعًا واضحًا في الثغر والقرار،

أحمد في مكة،

ومحمد في المدينة،

وفاطمة قد خرجت إلى باب التحالف الشريف،

والأبناء الجدد —أسد الإسلام وعمر بن عبدالله ومن في طبقتهم— بدأوا يدخلون طور الظهور.

ولذلك لم يكن اليوم المشؤوم يقترب من بيتٍ يوشك على الانطفاء، بل من بيتٍ بلغ اكتماله المؤلم.

وكانت صفية تشعر بهذا على نحوٍ لا تحسنه اللغة السياسية.

لا تقول: ثمة مؤامرة محددة هنا أو هناك فقط،

بل تقول في سرها:

البيت ممتلئ أكثر من اللازم.

والممتلئ في دنيا الفناء يخاف عليه القلب من جهة لا يفهمها دائمًا.

في إحدى الليالي، بعد مجلسٍ طويل عاد فيه عبدالملك من شأن ثغر، ودخل سعيد بعده بوقتٍ قصير، وكان عبدالله حاضرًا، وجلس الثلاثة يتكلمون في أمور البلاد، بينما مرّ من الجهة الأخرى صوت فاطمة الصغيرة وضحك بعض البنات، ثم ورد خبرٌ حسن من مكة عن أحمد، ورسالة من المدينة عن محمد؛ عندها وقفت صفية عند الباب لحظةً، ونظرت إلى المشهد كله، ثم أحست بخفقةٍ غريبة.

قالت لنفسها:

— كأن البيت اجتمع اليوم على صورةٍ لا تتكرر كثيرًا.

ولم تزد.

لكن القلب حفظ الجملة.

الباب الثاني: عبدالملك… الرجل الذي اشتدّ حتى صار أخوف ما يخافه أن يخذل ما بين يديه

في هذه المرحلة، لم يعد عبدالملك يثبت نفسه لأحد.

لا لأهل البلاد،

ولا للخصوم،

ولا لاسم أبيه وأمه.

كان قد جاوز هذا الطور من زمان.

وصار خوفه الحقيقي من شيءٍ آخر:

أن يخذل ما بين يديه.

وقد أثبتت السنوات السابقة أنه لا يحمل الحكم بروح الفتى الذي يحب أن يُرى، بل بروح من عرف الدم، وحمل المقابر، وخرج إلى الفتح بعد الفقد لا قبله.

ولهذا صار أكثر ميلًا إلى تقليل الكلام في المجالس الكبرى، وأكثر ميلًا إلى الخلوة القصيرة قبل القرارات الكبيرة، وأكثر نفورًا من المدائح التي تأتيه في أوقات الظفر.

وكان أهل البلاد يرونه في هذه المرحلة على صورةٍ مخصوصة:

ليس فقط ملكًا فاتحًا،

بل رجلًا إذا دخل مجلسًا شعرت أن البلاد كلها تدخل معه،

وإذا سكت، أحسست أن صمته ليس فراغًا، بل وزن.

حتى خصومه صاروا يعرفون أن ضربه مباشرةً في الميدان أصعب من أن يُجازفوا به على غير حساب، فبدأت عيونهم تتحول إلى طرقٍ أخرى:

الاستدراج،

والمكر،

والتفجير لا المواجهة.

لكن عبدالملك، على رغم قوة حدسه في الرجال والحدود، لم يكن يملك أن يرى كل ما يُدبَّر في زوايا العالم.

وهذا من سنن الحياة:

أن الرجل العظيم قد يرى الظاهر ببصيرة،

لكن الغيب لا يكشف له كله حتى يبقى عبدًا لا إلهًا.

الباب الثالث: صفية… المرأة التي بدأ قلبها يلتقط الريح

كانت صفية، بعد كل ما مرت به، قد صارت من النساء اللواتي لا يحتجن إلى دليلٍ كامل حتى يحسسن باقتراب شيءٍ ثقيل.

ليس هذا ادعاء غيب،

ولا تعلقًا بالخرافة،

بل هو أثر العمر الطويل حين يمرّ على القلب بما يكفي ليصير أشد حساسية لتحولات الجو الإنساني.

كانت ترى عبدالملك في هذا الطور، فتعرف أنه اشتد أكثر مما ينبغي للفتى الذي ولدته.

وترى سعيدًا، فتشعر أن الشيخ المؤسس ما يزال واقفًا، لكنه يقف كما يقف الذين فرغوا تقريبًا مما عليهم ويريدون أن يطمئنوا قبل أن يمضوا.

وترى عبدالله، فتعرف أن الأيام تعدّه لشيءٍ أكبر من أن يكون مجرد أخٍ في الخلف.

وترى أسد الإسلام في وجه أبيه، وترى عمر بن عبدالله في ملامح السلسلة التي لا تريد أن تنقطع.

وفي بعض الليالي كانت تقوم من نومها، وتمشي في البيت الواسع، وتدخل على الغرف واحدةً واحدة، لا لأن شيئًا وقع، بل لأنها تريد أن ترى الوجوه النائمة.

تدخل على البنات،

ثم على الصغار،

ثم تمر من الموضع الذي جلس فيه سعيد نهارًا،

ثم تقف عند مصباحٍ لم يُطفأ في مجلس عبدالملك،

فتشعر أن البيت كله في حالة امتلاءٍ غريب.

وكانت هذه الجولات الليلية من أصدق ما يفعله الخائفون على ما يحبون:

أن يتأكدوا من وجوده بأعينهم، ولو كان موجودًا في قلوبهم منذ البداية.

قالت لها أمامة مرةً وقد رأتها في مثل هذه الجولة:

— أأنتِ بخير؟

فأجابت بعد ترددٍ قصير:

— نعم… لكن قلبي كثير الالتفات هذه الأيام.

فسكتت أمامة، لأنها كانت من النساء اللواتي يحترمن إحساس الكبار إذا جاء بصيغةٍ لا تشرح نفسها.

الباب الرابع: سعيد… الشيخ الذي عاد إلى الميدان أكثر مما يحب له الناس

مع أن الدولة كانت قد اتسعت، ومع أن عبدالملك ثبت، ومع أن عبدالله صار أهلًا للثغر، فإن سعيدًا لم يرضَ لنفسه أن يتحول إلى شيخٍ يُحفظ في صدر المجلس فقط.

كان يعرف أن عمر التأسيس لا يسقط بالتقاعد العاطفي،

وأن الرجل إذا بقيت فيه بقيةٌ من نور الواجب ثم اعتزلها خوفًا على جسده وحده، نقص من نفسه شيء لا يراه الناس فورًا.

ولذلك عاد في هذا الطور إلى حضورٍ ميداني أقرب إلى الاستشارة العليا المصحوبة بالعين المباشرة.

لم يعد هو القائد الأول كما كان في شبابه،

لكن رأيه في الخرائط،

وفي الرجال،

وفي مكر الخصوم،

وفي ما ينبغي أن يُفعل إذا اختلطت السياسة بالثغر،

كان ما يزال أثقل من أن يُستغنى عنه.

وهذا ما جعل وجوده مع عبدالملك وصفية في تلك الأيام من أعظم ما يملأ الصورة —وأخطر ما يجعل الفقد القادم أعنف.

وكانت صفية تنظر إليه أحيانًا فتجد فيه من الشبه بتقي الدين في أواخر أيامه شيئًا يقلقها:

ذلك النوع من السكينة التي لا تشبه الراحة،

بل تشبه من يرى الطريق أوضح من قبل،

ويخف عنده الخوف من نفسه،

ويكثر خوفه على الرسالة فقط.

قالت له مرةً وهما في طرف البيت بعد صلاةٍ طويلة:

— لو بقيتَ أكثر في الداخل هذه الأيام لكان قلبي أهدأ.

فنظر إليها طويلًا، ولم يجب مباشرةً.

ثم قال:

— لو فعلتُ ذلك وأنا أرى الحاجة، لما رضيتِ عني أنتِ أولًا.

فابتسمت ابتسامةً فيها مرارة الرضا، وقالت:

— نعم.

ثم أضافت:

— لكني مع ذلك أرجو.

فقال:

— وأنا أيضًا.

وكان هذا من الحوارات التي لا تمنع القدر، لكنها تهيئ القلب له.

الباب الخامس: أسد الإسلام وعمر بن عبدالله… الجيل الذي كان يُربَّى للحمل من غير أن يدري الناس أن الحمل قريب

فقد بدأ أسد الإسلام بن عبدالملك يشتدّ في الميدان،

وفي الجهة الأخرى كان عمر بن عبدالله يشتد أيضًا،

وكان عبدالله يجمع بينهما على معنى التكامل لا التنافس، حتى تطمئن البلاد أن السلسلة ما زالت حية.

عبدالملك يأخذ أسد الإسلام معه إلى الجبال والحدود والمجالس المختارة،

لا ليقدمه استعراضًا،

بل ليجعله يرى كيف ينظر الرجل إلى البلاد لا إلى نفسه.

لا ليعجله،

بل لئلا يأتيه اليوم العظيم وهو خامّ.

كان عبدالملك إذا خرج بأسد الإسلام قال له أحيانًا وهو على ظهر الفرس:

— لا أريدك أن تتعلم كيف تُمسك السيف فقط. أريدك أن تتعلم متى لا تستعمله.

وكان عبدالله إذا خرج بعمر قال له:

— الثغر لا تحرسه الشجاعة وحدها. تحرسه القدرة على الصبر حين لا يراك الناس.

وهذه الجمل الصغيرة كانت تبني رجال الغد قبل أن يعرف الغد نفسه أنه قادم بهذه السرعة.

وفي إحدى الخرجات، وقف عبدالملك مع أسد الإسلام على ربوةٍ عالية، ونظر إلى السهل الطويل، ثم قال:

— هل ترى اتساع الأرض؟

قال الفتى:

— نعم.

— لا تغتر به. الأرض الواسعة قد تضيق بحاكمٍ صغير.

فسكت الفتى، وحفظ الجملة.

وفي جهةٍ أخرى، كان عمر مع عبدالله يتعلم أن يقرأ وجوه الرجال في الصمت، وأن يفهم من تبدل نبرة القائد في الثغر أكثر مما يفهم بعضهم من صراخه.

وهذا كله هو الذي سيجعل الضربة العظمى —على هولها— لا تقطع السلسلة، بل تغيّر طريقها فقط.

الباب السادس: رسائل مكة والمدينة… البيتان البعيدان يدخلان المشهد الأخير

لم يكن أحمد في مكة، ولا محمد في المدينة، بعيدين عن هذا الطور.

بل كان وجودهما في الحرمين يجعل البيت كله يعيش إحساسًا عجيبًا:

أن له في الجغرافيا الإسلامية قلبين بعيدين يصلّيان له،

بينما قلبه السياسي والقتالي يشتد في البوسنة.

كانت تأتي رسائل أحمد من مكة وفيها حديثٌ عن الناس، وعن القراءة، وعن قلوبٍ سكنت، وعن مواضع تعب روحيّ لا سياسي.

وكانت رسائل محمد من المدينة أهدأ، وأعمق، وفيها من الصمت المكتوب أكثر مما فيها من السرد.

وكان عبدالملك يقرأ الرسالتين أحيانًا ثم يرفع رأسه ويقول:

— ما أعجب أمر هذا البيت… نصفه على الثغور، ونصفه في المحاريب.

فتقول صفية:

— ولهذا يبقى متوازنًا.

وكانت تعرف أن هذا التوازن نفسه جزءٌ من الرحمة الإلهية قبل الضربة الكبرى.

لكن وجودهما بعيدين سيزيد اليوم المشؤوم ألمًا أيضًا.

لأن الكارثة حين تقع والبيت موزع بين الحرمين والبوسنة والثغور والجزيرة، لا تصيب بقعةً واحدة، بل تصيب القلوب في الجهات كلها دفعةً واحدة.

وكان الله يهيئ لهذا من غير أن يعلنه.

الباب السابع: فلول الحكم القديم تتغير طريقتها

بعد أن عجزت بقايا الخصوم عن كسر عبدالملك في الميدان،

وعجزت عن اختراق الداخل بالأسلوب القديم الذي كان ينجح مع الدول الهشة،

أخذت تبحث عن ضربةٍ لا تواجه القوة بالقوة،

بل تباغتها من داخل الثقة نفسها.

كان بعضهم قد فهم أن مواجهة عبدالملك خارجًا قد تُهزم،

وأن ضرب الوقف أو النساء أو القرى من الخلف لم يعد يكفي لإسقاط الدولة،

وأن عبدالله صار جاهزًا أكثر من السابق،

وأن الجيل الجديد يُربَّى تحت العين،

فلم يبق إلا الضربة المركزة التي تنزل على القلب مباشرةً.

ولم تكن هذه الفكرة وليدة يومها،

بل نمت ببطءٍ في مجالسٍ سوداء متفرقة:

إذا اجتمع عبدالملك مع صفية وسعيد في موضعٍ واحد،

وإذا أمكن الوصول إليهم لا بسيفٍ بل بمكر،

فإن ضربة واحدة قد تفعل ما لم تفعله سنوات الثغور.

وهكذا بدأوا لا يطلبون الحرب الشريفة، بل المناسبة.

المجلس الهادئ،

الاجتماع المؤمَّن الذي يُظن أنه مأمون،

الوفد،

أو المكان الذي لا يتوقع فيه المرء أن الموت قابع تحت الأرض أو خلف الجدار.

كانوا يبحثون لا عن غلبةٍ رجولية، بل عن تفجير يختصر سنواتٍ من العجز.

الباب الثامن: اليوم الذي اجتمعوا فيه كاملين

من أشد ما يوجع في الطريق إلى اليوم المشؤوم أن البيت اجتمع فيه على هيئةٍ كاملة أكثر من مرة.

لا لشيءٍ خارق في ظاهره،

بل لأن الأيام الأخيرة قبل الكارثة حملت عددًا من المجالس والأوقات التي بدا فيها كل شيءٍ مكتملاً على نحوٍ يوجع إذا تذكره الناجون بعد ذلك.

في إحدى تلك الأمسيات، اجتمع عبدالملك، وصفية، وسعيد، وعبدالله، وبعض النساء، ومرّ ذكر أحمد من مكة ومحمد من المدينة، وكانت فاطمة قد جاءت في زيارةٍ أو خبرها حاضر، وأطفال الجيل الجديد يملأون الأطراف.

كان في الجو شيءٌ من الرضا،

لكن الرضا هنا لم يكن سذاجةً فارغة،

بل ذلك الرضا الذي يزور البيوت العظيمة أحيانًا قبل أن تُبتلى بابتلاءٍ يزيدها صدقًا.

نظر سعيد إلى عبدالملك وقال:

— أرى فيك اليوم هدوءًا لم أره من قبل.

فقال عبدالملك:

— لأني تعبت من أن أريد من الأيام ما لا تعطيه.

فضحك سعيد ضحكةً قصيرة وقال:

— إذن بدأتَ تكبر حقًا.

وقالت صفية وهي تنظر إلى الجميع:

— لعلنا نحتاج أن نجتمع هكذا أكثر.

فأجابها عبدالله من حيث لا يدري ما تحمل الجملة من غيب:

— نعم… بعض المجالس لا ينبغي أن تُؤجَّل.

وسكتوا بعدها قليلًا، وكان السكون نفسه ممتلئًا.

لو أن أحدًا من الغرباء رآهم لقال:

هذا بيتٌ قويّ،

متماسك،

ممتلئ بالأدوار والرجال والنساء والجيل الجديد.

وهذا صحيح.

لكنه لم يكن ليرى ما كانت القلوب الأعمق تشعر به من رقةٍ لا تفسير لها.

الباب التاسع: صفية وحدسها الأخير

قبل اليوم المشؤوم بقليل، مرّت على صفية ليلةٌ لم تستطع فيها النوم.

قامت، وتوضأت، وصلت طويلًا، ثم جلست بعد السجود تبكي بكاءً غير مفهوم السبب المباشر.

لا خبر سيئًا واضحًا،

ولا مرضًا في البيت،

ولا أزمةً سياسية محددة،

لكن شيئًا في الروح كان يرتجف.

دخل عليها سعيد بعد أن طال غيابها، فرآها على السجادة.

جلس غير بعيد منها، ولم يسألها أولًا ما بها.

فلما رفعت رأسها، قال:

— أضاق بكِ شيء؟

قالت:

— لا أدري…

ثم أضافت بعد صمت:

— لكن قلبي هذه الليلة كأن عليه يدًا لا أراها.

فسكت هو أيضًا.

ثم قال بلطفٍ شديد:

— إذا جاء الخوف من غير بابٍ واضح، فردّيه إلى الله كما تفعلين دائمًا.

فقالت:

— أفعل.

ثم نظرت إليه نظرةً طويلة وقالت:

— لو وقع يومًا شيءٌ كبير…

فقاطعها بهدوء:

— لا تفتحي على قلبك ما لم يقع.

فابتسمت ابتسامةً باهتة، وقالت:

— نعم.

لكنها في سرّها كانت تشعر أن بعض الأيام إذا اقتربت عظمتها، سبق ظلُّها إليها في الليل.

وفي صباح اليوم التالي، كانت أهدأ من عادتها، على نحوٍ جعل أمامة تلاحظ، وعبدالله يلاحظ، وحتى عبدالملك —الذي كان مشغولًا بما بين يديه— أحس أن أمه تحمل اليوم في وجهها سكينةً شديدة جدًا.

وكانت السكينة أحيانًا أخطر من الاضطراب.

الباب العاشر: المجلس الأخير بين عبدالملك وعبدالله

من المجالس التي لا ينساها البيت بعد الكارثة، مجلسٌ قصير جمع عبدالملك بعبدالله قبل اليوم المشؤوم بوقتٍ قريب.

لم يكن مجلس وصايا صريحة،

ولا شعورٌ مُعلَن بأن الموت قريب،

لكنه كان واحدًا من تلك المجالس التي إذا استعادها الناجون بعد ذلك قالوا:

كان في الكلام يومها ما لم نفهمه كاملًا إلا متأخرًا.

قال عبدالملك لأخيه:

— إذا طال الطريق بالرجال، فربما يأتي يوم يحتاج فيه البيت أن تحمل ما لم ترد حمله.

فقال عبدالله وهو يظن أنها حكمة عامة في الثغور:

— ونحن لهذا نُربّى.

فقال عبدالملك:

— نعم… لكن بين أن يُقال هذا في التربية، وبين أن يقع في الحقيقة فرقٌ يثقب القلب.

فسكت عبدالله، وارتسم على وجهه ذلك الجِد الذي كان يشتد فيه كلما اقترب من أمرٍ عظيم.

ثم قال:

— إن وقع، فلن نسقط.

فنظر إليه عبدالملك طويلًا، وقال:

— أعرف. ولهذا أنا مطمئن من جهتك أكثر مما أُظهر.

وكانت الجملة نفسها ثقيلة.

لكن الرجلين لم يكونا ممن يكثرون من الكلام إذا اقتربت الحقائق.

ولذلك بقي كثير من هذا المجلس ساكنًا بينهما، ثم حملته الأيام بعد ذلك إلى معنى آخر.

الباب الحادي عشر: الخطوة إلى الموضع

ثم جاء اليوم.

لم يكن اليوم المشؤوم في ظاهره يوم حربٍ كبرى،

ولا خروجٍ إلى ميدانٍ متوقع الموت،

بل يومًا من تلك الأيام التي يظن الناس فيها أنهم يذهبون إلى شأنٍ من شؤون الدولة، أو مجلسٍ، أو موضعٍ مؤمّن، أو لقاءٍ لا يحمل أكثر من ثقله المعتاد.

وهذا بالذات ما يجعل الغدر تفجيرًا لا معركة.

خرج عبدالملك.

وخرج معه سعيد.

وخرجت صفية كذلك، أو كانت في الموضع نفسه بحسب ترتيب الحدث الذي سيقع بعد قليل.

وكان في هذا الاجتماع الثلاثي ما يجعل الضربة —إذا وقعت— ليست حادثًا على أشخاص، بل ضربةً إلى قلب المرحلة كلها.

في الطريق، لم يكن أحدهم يظن أنه ذاهب إلى لحظته الأخيرة على اليقين،

لكن بعض الأرواح كانت مهيأة أكثر من غيرها.

عبدالملك كان هادئًا على عادته،

وسعيد فيه من السكينة التي رأتها صفية من قبل وأخافتها،

وصفية في قلبها ذلك الخفق الخفي الذي لا يخطئه من عرفها.

نزلوا.

دخلوا الموضع.

كانت الجدران كما هي،

والناس كما هم في ظاهرهم،

والأرض صامتة،

والأقدار تحتها تعمل.

الباب الثاني عشر: قبل الانفجار بلحظة

قبل الكوارث العظيمة بلحظةٍ واحدة، لا يعرف البشر أنهم يقفون على الحد الفاصل بين عالمين.

يتكلمون جملةً أخيرة،

ينظرون نظرةً أخيرة،

يمشون خطوةً أخيرة،

ولا يدركون أن هذه التفصيلة الصغيرة ستصير بعد دقائق آخر ما بقي منها في ذاكرة من نجا.

في تلك اللحظة الأخيرة قبل اليوم المشؤوم،

كان عبدالملك يحمل في قلبه البلاد،

وكان سعيد يحمل في قلبه ما بناه ولم يندم عليه،

وكانت صفية تحمل في قلبها البيت كله:

مريم،

وفاطمة،

وتقي الدين،

والمرأة التي ربّتها وماتت،

وأحمد في مكة،

ومحمد في المدينة،

وعبدالله،

وأسد الإسلام،

وعمر بن عبدالله،

والأوقاف،

والقرى،

والبنات،

والحرم،

والبوسنة.

ثم وقع ما سيغير كل شيء.

الاستشهاد العظيم،

ثم بعده مباشرةً

عبدالله بعد التفجير،

وفيه يبدأ حمل الدولة بقلبٍ مثقوب، لا ببيتٍ سليم كما كان من قبل.