الفصل الثالث والثلاثون

الفصل الثالث والثلاثون — الأم التي ربّت صفية

كيف جلبتها صفية إلى البوسنة، ولم تنتقم منها، بل أكرمتها حتى الموت

0 باب

الباب الأول: السؤال الذي بقي في آخر القلب

مع مرور الأعوام، ومع اتساع الدولة، وتوالي الفتوح، وسقوط أركان الجيل الأول واحدًا بعد آخر، لم تنطفئ في قلب صفية كل الأسئلة القديمة.

لكنها تعلمت أن بعض الأسئلة لا يُفتح بابها في أول الطريق.

بعضها يحتاج أن تمر المرأة بالرؤى أولًا،

ثم بالمرض،

ثم بالعلاج،

ثم بلقاء أمها الحقيقية وأبيها،

ثم ببخارستان،

ثم بالبوسنة،

ثم بالأبناء،

ثم بالحكم،

ثم بالموت الذي يحصد الوجوه المؤسسة،

حتى إذا هدأت بعض العواصف الداخلية، ارتفع سؤالٌ من زاويةٍ بعيدة كانت الروح تؤجله لا لأنه غير مهم، بل لأنه شديد التعقيد.

ذلك السؤال كان:

وماذا عن المرأة التي ربّتني؟

لم يكن السؤال سؤال شوقٍ ساذج،

ولا سؤال عدالةٍ قانونية مجردة،

ولا سؤالًا عاطفيًا يريد أن يخلط كل شيءٍ في دمعةٍ واحدة،

بل كان سؤال امرأةٍ كبرت بما يكفي لتعرف أن البشر ليسوا طبقةً واحدة من السواد والبياض.

تعرف أن في الدنيا شياطينَ خالصين، نعم،

لكن فيها أيضًا ضعفاءَ خلطوا الذنب بالخوف،

والسكوت بالعجز،

والرعاية الناقصة بالمشاركة في الجريمة،

والحنوّ المتقطع بالاستسلام لمن هم أشرّ منهم.

وكانت صفية تعرف أن المرأة التي ربّتها ليست أمها، ولا صاحبة فضلٍ صافٍ عليها، ولا ضحيةً كاملة البراءة أيضًا.

تعرف أنها شاركت، وسكتت، وغطت، ورضيت ببقاء السر، وعاشت تحت سقف الذنب عقودًا.

لكنها تعرف أيضًا أنها لم تكن العجوز الأسود القلب الذي خطف ودبّر،

ولا الأخت الكبرى التي أكلها الحسد حتى صارت يدًا من أيدي الخراب،

ولا من الشياطين الصرحاء الذين تلذذوا بإفساد حياتها.

كانت شيئًا بين ذلك كله:

امرأةً ضعيفة،

مذعورة،

ناقصة،

ملتبسة الذنب،

ملتبسة الرحمة.

ولهذا لم يكن السؤال عند صفية:

هل هي بريئة؟

بل:

كيف يُحكَم على إنسانٍ حمل من الذنب بقدر، ومن الضعف بقدر، ومن الشفقة الناقصة بقدر، ثم بقي آخر العمر وحيدًا في بيتٍ تآكل؟

وهل يُترك هذا الإنسان ليموت في زوايا القرية نفسها التي شهدت السرقة والكتمان، لأننا نريد من العدالة أن تكون سكينًا لا بصيرة؟

وفي إحدى الليالي، بعد وفاة مريم بمدة، جلست صفية وحدها طويلًا، والبيت من حولها ساكن، وأصوات الأبناء والأحفاد خفتت في الغرف، وأوراق الحكم والوقف والقرى على الطاولة القريبة، لكنها لم تستطع أن تنظر إليها.

كان هناك وجهٌ آخر يلحّ عليها من وراء السنين:

وجه المرأة التي كانت تقول لها: يا سارة،

وتضبط لها ثوبها أحيانًا،

وتقسو أحيانًا،

وتحنو أحيانًا،

وتختبئ خلف خوفها كلما اقترب السر من باب الافتضاح.

فوضعت يدها على صدرها، وقالت لنفسها:

— لا يكتمل فهمي لنفسي ما لم أنظر يومًا في وجهها من آخر المسافة.

وهنا فقط عرفت أن الوقت قد جاء.

الباب الثاني: ما بقي من القرية

لم تكن صفية بحاجةٍ إلى كثير بحث لتعرف حال القرية القديمة.

لقد كان الزمن نفسه كفيلًا بأن يأكل منها ما يكفي.

البيت الأول تآكل.

العجوز مضى في ذنبه وانطوى.

الأخت الكبرى أكلها حقدها وفسادها من الداخل قبل الخارج.

كثير من وجوه الشر تفرّقوا في مصائرهم:

هذا سقط في فضيحة،

وهذا مات في ذل،

وهذه شاخت وهي تحمل في وجهها آثار السم الذي سكن قلبها.

ولم يبقَ من ذلك العالم القديم، على هيئةٍ إنسانية تستحق أن يُسأل عنها، إلا هذه المرأة.

كانت قد شاخت.

لم تعد تتحرك في البيت القديم بين الخوف والتستر كما كانت،

بل صارت هشة من جهة العمر،

صامتة من جهة التعب،

وفي وجهها من آثار السنين ما يفضح أن حياةً كاملةً عاشت تحت ثقل شيءٍ لم تقلْه للهواء، ولم تستطع أن تدفنه في التراب أيضًا.

وكانت صفية تعرف، حتى من غير أن تراها، أن السنين لا تخرج الناس من ذنوبهم بلا أثر.

قد لا يتوبون توبةً كاملة،

وقد لا يعترفون اعترافًا شافيًا،

لكن السر الذي يحمله الإنسان في صدره أربعين سنة لا يترك وجهه كما كان.

وسألت بعض من تثق بهم عن حالها، فجاءها الجواب على صورةٍ تؤكد ما كان في قلبها:

امرأةٌ في آخر العمر،

بيتٌ خرب،

ذلُّ الاعتماد على من لا يرحم،

ولا سند حقيقي،

ولا قوة على الهرب من الماضي ولا على إصلاحه.

هنا لم يتحرك قلب صفية شفقةً عمياء، بل تحرك ذلك النضج الذي لا يخلط بين الأشياء، لكنه أيضًا لا يقسو لأن في يده القدرة.

قالت لنفسها:

— ليست أمّي.

— وليست بريئة.

— لكن هل أتركها هناك لتغلق عليها القرية الباب الذي بدأ عندها بابي كله؟

وكان الجواب في سرّها قد اتخذ صورته بالفعل.

الباب الثالث: الدعوة

لم ترسل صفية في طلبها أمرًا سلطانيًا،

ولم تقل: أحضروها للمحاسبة.

ولم تقل أيضًا: اتركوها لشأنها، فقد مضى كل شيء.

بل أرسلت دعوةً هادئة،

دعوةً لا تتذلل،

ولا تهدد،

ولا تعتذر عن القوة،

ولا تستعرض فضل الرحمة.

وحين بلغ الخبر المرأة، لم يكن وقعُه عليها مثل وقع التهديدات الصريحة.

فبعض الناس إذا قيل لهم: تعالَ إلى من ظلمتَه، لا يخافون الضرب أولًا، بل يخافون النظر.

كيف ستقف أمامها؟

بأي وجه؟

بالاسم الذي عاشت عليه في البيت: سارة؟

أم بالاسم الذي خرج الآن من الغيب إلى الدنيا: صفية؟

وبأي صفة؟

صفة الأم؟

أم صفة الشاهدة على السرقة؟

أم صفة المرأة الضعيفة التي حملت من الذنب بقدر ما حملت من الخوف؟

دخلت على صفية لا دخول أهل البيوت الآمنة،

بل دخول من جاء إلى محكمة نفسه قبل محكمة الناس.

كانت السنوات قد أكلت من وجهها كثيرًا،

وصارت أهدأ من جهة العجز،

وأشد هشاشة من جهة العمر،

وقفت أمام صفية.

ولم تقل صفية أولًا: اجلسي.

ولم تقل: لماذا فعلتِ؟

ولم تقل: أنا صفية، كما قالتها يوم وقفت على باب مريم.

بل نظرت إليها طويلًا.

وكانت تلك النظرة نفسها أثقل من كثير من الكلام.

فيها الطفلة التي كانت تُنادى باسمٍ غير اسمها،

وفيها المرأة التي عرفت الحقيقة،

وفيها الحاكمة التي تستطيع أن تأمر،

وفيها الجريحة التي لا تريد أن تُكذِّب جرحها.

أما المرأة فخفضت رأسها.

لم تحسن الدفاع،

ولم تستطع أن تبدأ بالاعتذار،

لأن بعض الذنوب إذا طال بها الزمن صارت الكلمات أصغر من أن تحملها.

ثم قالت أخيرًا بصوتٍ متهدج:

— كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي… لكنني لم أكن أعرف هل سأحتمله.

فقالت صفية، بعد صمتٍ طويل:

— وأنا كنت أعلم أن هذا الوجه سيقف أمامي يومًا… ولم أكن أعرف أيضًا كيف سأراه.

وساد بينهما صمتٌ آخر، لكنه كان هذه المرة صمت مسافةٍ كاملة من العمر.

ثم قالت المرأة، وقد بقي رأسها منخفضًا:

— لا أملك ما أقوله…

فقالت صفية:

— أعرف.

— ولا أستطيع أن أدّعي أنني كنت بريئة.

— أعرف.

— ولا أطلب أن تسامحيني كما لو أن شيئًا لم يكن.

فرفعت صفية يدها قليلًا، كأنها توقف عنها سيلًا لا فائدة من إتمامه، ثم قالت الجملة التي اختصرت كل المجلس:

— الله أعلم بنا جميعًا.

الباب الرابع: القرار

بعد هذا اللقاء، لم تتركها صفية تمضي إلى بيتها القديم.

قالت لها فقط:

— ستأتين معي.

رفعت المرأة رأسها مذعورة، لا لأنها خافت العقوبة هذه المرة، بل لأنها لم تفهم الرحمة.

سألت كأن اللغة نفسها غريبة عليها:

— إلى أين؟

قالت صفية:

— إلى البوسنة.

وبقيت تحدق فيها كأنها لا تصدق أن الجملة خرجت هكذا.

فلم يكن في نبرة صفية عطفٌ مستعرض،

ولا شفقةٌ تُذل،

ولا رغبةٌ في أن تظهر أمام نفسها بمظهر القديسة التي سامحت كل شيء،

بل كان في صوتها قرار.

قرار امرأةٍ نضجت بما يكفي لتعرف أن الماضي لا يُمحى، لكنه لا يُدار دائمًا بالسياط أيضًا.

ولم تكن صفية تريد بجلبها إلى البوسنة أن تعيد كتابة الماضي،

ولا أن تزيل الجريمة،

ولا أن تزاحم مريم وفاطمة في مواضعهما من قلبها، فهذا مستحيل وهي أعمق من أن تكذب على نفسها.

لكنها أرادت شيئًا آخر:

أما المرأة، فلم تستطع الرد.

لم تقل: شكرًا.

ولم تقل: لا أستحق.

ولم تبكِ أولًا.

بل جلست كما يجلس من انكسر فيه شيءٌ ظل مشدودًا أربعين سنة.

ثم قالت بعد زمن:

— ولماذا؟

فنظرت إليها صفية وقالت:

— لأني لا أريد أن أترككِ هناك.

ولم تزد.

ولم تكن تحتاج إلى أكثر.

الباب الخامس: الطريق إلى البوسنة… عودةٌ مقلوبة

لم يكن الطريق إلى البوسنة بالنسبة لتلك المرأة سفرًا عاديًا.

كان أشبه بعرض عمرها على قلبها مرةً أخرى.

ترى الطريق، لكن لا تراه وحده؛

ترى القرية وهي تبتعد،

والبيت القديم ينسحب،

والأسماء تتفكك،

والسر الذي عاش تحت سقفها عقودًا يخرج الآن من الظل إلى ضوءٍ لم تطلبه هي،

وترى صفية —الطفلة التي ربّتها ظلمًا تحت اسمٍ ليس اسمها— جالسة الآن في موضع القوة، ثم لا تستعمل القوة كما يستعملها المقهورون إذا مُكّنوا.

كانت طوال الطريق قليلة الكلام.

أما صفية فلم تُكثر عليها الأسئلة، ولا التعزية، ولا الكلمات التي تذيب الحقائق في طراوةٍ زائفة.

جلست في عربة الطريق أو موضع السفر كما تجلس المرأة إلى جانب أمرٍ لم يُحسم عاطفيًا لكنه حُسم أخلاقيًا.

لا قربُ أمٍّ وابنة،

ولا جفاءُ سجانٍ وأسيرة.

بل شيءٌ ثالث لا تحسن تسميته إلا الأرواح التي جرّبت النضج بعد الجرح.

وفي لحظةٍ من الطريق، قالت المرأة بصوتٍ منخفض لا يكاد يسمع:

— كنتِ صغيرةً جدًا…

فلم تجبها صفية أول الأمر.

ثم قالت بعد صمت:

— أعرف.

— ولم أكن أعرف كيف أخرجكِ من كل ما كنتُ فيه.

فالتفتت إليها صفية للمرة الأولى مباشرةً في الطريق، وقالت:

— لكنكِ لم تُخرجي نفسك أيضًا.

وانخفض رأس المرأة من جديد.

وكانت الجملة ليست اتهامًا صاخبًا، بل حقيقةً حادة لا تُجامل.

ثم عاد الصمت.

وفي آخر النهار، رأت المرأة من بعيد ملامح البوسنة، والاتساع الذي لم تعرفه قريتها، فعرفت أنها تدخل ليس بيت صفية فقط، بل عالمها كله، العالم الذي خرج من تحت يديها يومًا على هيئة طفلةٍ خائفة، ثم عاد إليها الآن على هيئة امرأةٍ أقامت بيتًا وبلدًا ومعنى.

الباب السادس: دخولها البيت

حين دخلت بيت صفية في البوسنة، لم يكن دخولها دخول أمٍّ مكرمة على الصورة التي تُمحى بها كل الحقائق،

ولا دخول أسيرة تُذل بعين الإحسان،

عرف الأولاد والأحفاد —بحسب ما يناسب أعمارهم— أنها المرأة التي ربّت أمهم قديمًا.

ولم يُطلب منهم أن يحبوها حبَّ الجدات الطبيعيات،

لكن لم يُسمح كذلك أن تُهان أو تُترك لذلّ الكبر.

وكان هذا في ذاته درسًا من دروس البيت كله:

أن الحقيقة لا تُزور،

لكن الكرامة أيضًا لا تُسحق إذا صار الإنسان في آخر العمر أضعف من أن يحمل ماضيه وحده.

أُعِد لها موضعٌ يليق بعمرها وحالها،

لا في قلب البيت كأنها أصلٌ من أصوله،

ولا في طرفٍ مهمل كأنها بقايا شيءٍ يُراد إخفاؤه،

بل في مكانٍ نظيف هادئ، قريبٍ بما يكفي للرعاية، بعيدٍ بما يكفي عن خلط المقامات.

وكان هذا التوازن نفسه هو ما يميز أفعال صفية كلها في هذا الفصل.

يُرسل لها الطعام،

ويُقرأ عندها القرآن،

وتُهيأ لها امرأةٌ تقوم على شأنها،

وتدخل عليها صفية أحيانًا بنفسها، فتجلس قليلًا، وتسأل عن صحتها، ثم تمضي.

وفي الأيام الأولى، كانت المرأة تتحرك في البيت كأنها تخشى أن تلمس الأشياء أكثر مما ينبغي.

تنظر إلى الوجوه،

إلى النظام،

إلى الأطفال،

إلى البنات،

إلى أصوات القرآن،

إلى الدخول والخروج،

إلى رحابة الساحة،

ويدركها صمتٌ يشبه الخجل القديم مضروبًا في الكِبَر والعجز.

فهي تعرف أنها في بيتٍ لا ينسى،

لكنه أيضًا لا يشبه البيوت التي تعاقب بالشماتة.

الباب السابع: أولاد صفية معها

كان من أجمل ما في هذا الفصل أن الأولاد تعلّموا منه درسًا لا يُكتب في دواوين الحرب ولا في كتب الفقه المجردة:

أن العدل ليس دائمًا أن تُرجِع الشيء إلى حدِّه بالسيف،

ولا أن تخلط الرحمة فتُذيب بها الحق،

بل أن تعرف كيف تمنع قلبك من الظلم حين يصير لك سلطانٌ عليه.

سألت مريم الصغيرة أمها يومًا، وهي ترى المرأة جالسةً وحدها:

— أهي جدتنا؟

فنظرت إليها صفية طويلًا، ثم قالت:

— لا.

فسكتت الطفلة لحظة، ثم سألت ببراءة:

— إذن لماذا هي عندنا؟

فقالت صفية:

— لأنها كبرت، ولا أريد أن تُترك وحدها.

وكان هذا الجواب كافيًا للطفلة، لكنه لم يكن كافيًا تمامًا لعبدالملك وأحمد ومن كبروا قليلًا.

أما عبدالملك، فقد فهم الأمر أعمق من غيره.

دخل على أمه بعد أيامٍ من قدوم المرأة، وقال:

— أأنتِ سامحتِها؟

فنظرت إليه، وعرفت أن السؤال خرج من فتى بدأ يقرأ الحياة بغير سذاجة.

فقالت:

— لا أحب كلمة سامحتها إذا كانت تعني أن شيئًا لم يكن. كان.

— إذن لماذا جئتِ بها؟

— لأن الله لم يجعل القوة في يدي لأفعل بها ما فعله غيري حين كانت القوة في أيديهم.

فسكت، ثم قال:

— وهل هذا عدل؟

فقالت:

— هذا أوسع من العدل الذي يتصوره الغضب.

ثم أضافت:

— لو انتقمتُ منها، لرضي جرحٌ فيَّ ساعةً، لكن شيئًا في روحي كان سيصغر. وأنا لا أريد أن أصغر بعد كل ما مرّ عليّ.

وكان هذا من الحوارات التي تثبت في روح الفتى أكثر مما تثبت الخطب.

أما أحمد، فكان أشد حدةً بطبعه، فقال مرةً لعبدالله:

— لو كنتُ مكان أمي، لما جئتها إلى بيتنا.

فسمعته صفية، ولم تعنفه.

دعته بعد قليل، وقالت له:

— وهذا طبيعي.

فنظر إليها متفاجئًا.

فأكملت:

— لأنك تفكر الآن من موضع الجرح فقط. لكن الإنسان إذا كبر، ورأى الذنب والضعف والخوف والعمر والقدرة مجتمعةً، قد يحكم بغير ما يحكم به وهو صغير.

ثم وضعت يدها على كتفه وقالت:

— لا أريد منك أن تقلدني. أريد فقط أن تعرف أن الله يحب من عباده إذا قدروا ألا يشبهوا من ظلمهم.

الباب الثامن: المجالس القصيرة

كانت صفية تدخل عليها أحيانًا بنفسها.

لا دخول الابنة الولهى،

ولا دخول الحاكمة التي جاءت لتستعرض فضلها،

بل دخول امرأةٍ تؤدي حقًّا إنسانيًا تعرف أنه لن يغير الماضي، لكنه قد يغيّر خاتمته.

تجلس قليلًا، تسألها عن صحتها، عن الطعام، عن النوم، عن الدواء.

وأحيانًا تصمتان طويلًا.

وكان الصمت بينهما أغلب من الكلام، لأن ما بينهما لم يكن من العلاقات التي تُسعفها الأحاديث العادية.

وفي أحد الأيام، قالت المرأة بصوتٍ متعب:

— أتكرهينني؟

ولم تجب صفية فورًا.

نظرت إلى يديها أولًا، ثم إلى وجه المرأة الذي صار أقرب إلى ورقةٍ قديمة أكلتها السنون، ثم قالت:

— الكراهية نارٌ طويلة… وأنا تعبت من حمل النار.

فاغرورقت عينا المرأة، وقالت:

— وهذا ليس جوابًا.

فقالت صفية:

— بل هو أقرب جواب عندي.

ثم سكتت، وأضافت:

— في داخلي جرحٌ منكِ لا أستطيع أن أنكره، لكن في داخلي أيضًا شيءٌ أكبر من أن يترك امرأةً عجوزًا تموت في زوايا الخوف التي عشتِ فيها.

وفي يومٍ آخر قالت المرأة، كأنها تجمع شجاعتها الأخيرة:

— هل ندمتِ أنك جئتِ بي؟

فقالت صفية:

— لا.

— لماذا؟

— لأنني لو تركتكِ هناك، لبقيتِ بابًا مفتوحًا في ذاكرتي كل ليلة.

ثم قالت بعد صمت:

— أما الآن، فأنا أعرف أين ينتهي هذا الباب.

وكانت هذه هي الحقيقة كلها:

صفية لم تجلبها لتجبرها هي فقط،

بل لتغلق في نفسها بابًا ظل مفتوحًا من القرية إلى آخر العمر.

الباب التاسع: القرآن عند سريرها

مع مرور الأيام، اشتدّ ضعف المرأة.

ولم يكن ضعفًا مفاجئًا، بل انطفاءً تدريجيًا يشبه حال من استُهلكت روحه طويلًا ثم وُضعت أخيرًا في موضعٍ آمن، فبدأ الجسد يتخفف لأنه لم يعد يحتاج إلى الدفاع.

وكانت النساء في البيت يأتينها،

وتجلس عندها إحداهن،

ويُقرأ عندها القرآن،

ويُذكّرها من يلزم بالله برفق،

ويُهيأ لها كل ما يليق بإنسانٍ في آخر العمر لا بامرأةٍ فحسب.

وفي بعض الليالي، كانت تسمع صوت التلاوة من طرف بيت صفية، فتغلق عينيها، وكأن الآيات تمرّ على عمرها كله لا على سمعها فقط.

وقد لا يكون الناس كلهم سواء في باب التوبة واليقين، لكن للقرآن قدرةً عجيبة على أن يعيد ترتيب الخوف داخل المحتضر.

وفي إحدى الليالي، دخلت عليها صفية فوجدتها تستمع إلى التلاوة وعيناها مفتوحتان على السقف.

قالت المرأة:

— كنت أظن أنني سأموت في ذلك البيت.

فقالت صفية:

— وأنا لم أرد ذلك.

فسألتها:

— لِمَ؟

فقالت صفية:

— لأنكِ مهما كنتِ، لم أُرِد أن يكون آخر ما يراكِ الله عليه هو الخوف القديم وحده.

فهنا انكسرت المرأة، لا بكاءً صاخبًا، بل دموعًا خرجت بصمت.

وقالت:

— لا أعرف بماذا أجيبك.

فقالت صفية الجملة نفسها التي كانت أوسع من كل الكلام:

— الله أعلم بنا جميعًا.

الباب العاشر: موتها

ثم جاءها الموت.

لم يكن موتها موتًا عظيمًا في ذاكرة الأمة كما كان موت تقي الدين أو فاطمة أو مريم من جهة المعنى العام، لكنه كان عظيمًا في خاتمة صفية نفسها.

لأن هذه المرأة كانت آخر ما بقي من البيت القديم على هيئةٍ إنسانية لا شيطانية صافية.

لا العجوز، فقد انتهى في ذنبه.

ولا الأخت الكبرى، فقد أكلها حقدها.

ولا الرجال الذين تواطؤوا، فقد تفرقوا في عقوباتهم.

بل هي تحديدًا:

المرأة التي حملت من الذنب بقدر،

ومن الرحمة بقدر،

ومن الضعف بقدر،

ماتت بهدوء.

ولم تحتج في لحظاتها الأخيرة إلى أن تقول اعتذارًا كبيرًا أو اعترافًا دراميًا.

يكفي أن الموت نفسه كان قد جرّدها من كل الأقنعة.

وكانت صفية عندها أو قريبًا منها حين خرجت روحها.

نظرت إليها طويلًا، ولم ترَ فيها في تلك اللحظة المرأة التي كانت تصيح في البيت القديم باسم سارة وحده،

ولا المرأة التي شاركت في الصمت،

بل رأت إنسانًا انتهى.

وهذا الإدراك وحده يغيّر كثيرًا من شكل الغضب.

الباب الحادي عشر: بعد دفنها

بعد دفنها، لم تبكِ صفية كما بكت مريم،

ولا كما بكت فاطمة.

وقفَت طويلًا، وفي قلبها ذلك السكون الموجع الذي يزور الإنسان إذا أغلق أخيرًا بابٌ ظل مفتوحًا في الذاكرة سنوات طويلة.

لم يكن في قلبها انتصار.

ولا ندم.

ولا تلك الراحة السهلة التي يتخيلها الناس إذا انتهى خصم أو أغلق ملف.

بل كان شيءٌ أدق:

شعورٌ بأن الماضي نفسه صار أوضح.

لم يعد كتلةً واحدة من السواد.

فيه أعداءٌ خالصون،

وفيه ضعفاءُ شاركوا في الجريمة بسكوتهم وخوفهم،

وفيه نساءٌ لم يكنّ ملائكةً ولا شياطين، بل بشرًا سقطوا تحت وطأة ما لم يستطيعوا دفعه.

وهذا الفهم هو بعض ما جعل صفية في آخر عمرها أوسع قلبًا من أن تحكم على الناس بحدٍّ واحد.

لم يبرّئ الذنب،

لكنه لم يخلط بين مراتبه.

ولم يجعل من الجرح ذريعةً لتعميم السواد على كل الوجوه.

عادَت بعد الدفن إلى بيتها، وجلست وحدها مدةً.

ثم دخل عليها عبدالملك، فرآها ساكنةً أكثر من المعتاد.

قال:

— كيف أنتِ؟

فقالت:

— أخفّ قليلًا.

فهم من الجملة ما لم تحتج إلى شرحه.

فقال:

— لأن بابًا أغلق؟

فنظرت إليه، وقالت:

— نعم.

ثم أضافت:

— لا لأن الجرح اختفى… بل لأن الماضي كله لم يعد يطالبني كل ليلة بحوارٍ لم يُحسَم.

الباب الثاني عشر: اكتمال سقوط جيل الذنب والرحمة معًا

وهكذا اكتمل سقوط جيل الذنب والرحمة معًا:

تقي الدين مضى بالشهادة،

وفاطمة مضت بالرضا،

ومريم مضت بعد الجبر،

والمرأة التي ربّت صفية مضت في ظلّ الرحمة التي لم تستحقها كاملةً، لكنها لم تُحرم بابها الأخير.