الفصل الثاني والثلاثون

الفصل الثاني والثلاثون — مريم أم صفية في المدينة

الأم التي قيل لها يومًا إن ابنتها ماتت هناك، ثم أغمضت عينيها في الموضع نفسه وهي مطمئنة

0 باب

الباب الأول: الشوق الذي لا يشفى من المدينة

كانت المدينة المنورة في حياة مريم شيئًا لا يشبه سائر الأمكنة.

ليست مجرد بلدٍ زارته يومًا في سفرٍ طويل مع تقي الدين،

ولا موضعًا مباركًا ولدت فيه صفية ثم ضاعت،

بل جرحًا كاملًا وجبرًا كاملًا معًا.

هناك قيل لها يومًا إن ابنتها ماتت.

وهناك بقي في قلبها يقينٌ لا يهدأ أنها لم تمت.

وهناك عادت بعد السنين فعرفت أن ابنتها عاشت.

وكانت المدينة، منذ انكشف لها هذا كله، موضعًا تتقاطع فيه على قلبها كل الطرق:

طريق الفقد الأول،

وطريق اللقاء،

وطريق الرضا الأخير.

وفي عهد عبدالملك، وبعد أن سقط من الجيل الأول تقي الدين ثم فاطمة أم سعيد، لم يعد في قلب مريم شوقٌ إلى شيء من الدنيا لنفسها.

لكن ظلّ في داخلها شوقٌ واحد لا يهدأ تمامًا:

أن تعود إلى المدينة.

لا لتسكنها طويلًا بالضرورة، ولا لتفرّ من البوسنة، بل لتزور الموضع الذي بدأ فيه جرحها العظيم، ولترى من جديد ما صار من نسلها هناك.

ولم يكن معنى هذا عند مريم معنى منصبٍ عابرٍ أو مجدٍ ترويه الجدات بزهوٍ فارغ، بل كان شيئًا أعمق بما لا يقاس:

أن الطفل الذي خرج من رحم صفية بعد جبرها، ثم نما في البيت بين القرآن والوقف والبوسنة والفروسية، صار يقف الآن في المكان الذي بدأت فيه الحكاية كلها.

وهذا وحده كان كافيًا لأن تشعر أن الدائرة، وإن لم تكتمل كلها، قد قاربت تمامها.

قالت لصفية في أحد الأيام، وهما تجلسان بعد الفجر:

— أريد أن أرى المدينة مرةً أخرى.

رفعت صفية رأسها إليها بسرعة، ولم تقل أولًا: نعم أو لا.

فهي تعرف أن هذا الطلب في قلب أمها ليس كأي طلب.

ثم قالت:

— شوقًا إلى محمد؟

فابتسمت مريم ابتسامةً خفيفة وقالت:

— إليه… وإلى ما وراءه.

ففهمت صفية.

وكانت هذه من اللحظات التي تشعر فيها البنات أن الأمهات يحملن في صدورهن بلدانًا كاملة لا بيوتًا فقط.

الباب الثاني: الطريق إلى المدينة… أمٌّ تمضي وفي قلبها خاتمة الحكاية

تهيأت الرحلة.

ولم تكن رحلة استعراضٍ ولا احتفالًا بموضع حفيد، بل خروجًا فيه من الوقار ما يشبه الحجّ الداخلي.

خرجت مريم، ومعها من يلزم من الرفقة، وخرجت معها في الحقيقة أعوامٌ كاملة من الذكرى:

ليلة الولادة،

وليلة الخبر الكاذب،

وسنوات الصبر،

ولقاء الباب في بخارستان،

ثم البوسنة،

ثم عبدالملك،

ثم موت تقي الدين،

ثم موت فاطمة،

حتى شعرت صفية وهي تودّع أمها أن هذه الرحلة ليست سفرًا عاديًا، بل سفرُ قلبٍ يذهب ليرى هل اكتمل المعنى الذي عاش له كل هذا العمر.

قالت صفية لأمها عند الوداع:

— عودي إليّ يا أمي.

فابتسمت مريم، وكان في ابتسامتها شيءٌ عجيب من الصفاء، وقالت:

— أنا ذاهبة لأرى بعض تمام الرحمة، لا لأغيب عنكِ.

لكن صفية لم يهدأ قلبها.

فبعض القلوب تشعر، من غير دليل واضح، أن في بعض الرحلات رائحة وداعٍ أكبر من ظاهرها.

وفي الطريق، كانت مريم أقل كلامًا من عادتها.

لا لأنها متعبة فحسب، بل لأنها كانت تمضي إلى المكان الذي لا يختصره الكلام.

تنظر من النافذة طويلاً، وتصمت طويلاً، ثم تسأل أحيانًا عن المسافة أو عن وقت الوصول، لا لهفة العابر، بل لهفة من يعرف أن في آخر الطريق مقطعًا كاملًا من روحه.

ولما اقتربت من المدينة، شعرت بشيءٍ في صدرها يضطرب كما اضطرب يوم دخلتها أول مرة وهي حامل بصفية، لكن الاضطراب هذه المرة لم يكن خوف الأم قبل الولادة، بل رجفةُ امرأةٍ عادت إلى موضعٍ شهد كذبة عمرها كله، ثم شهد برهان قلبها بعد ذلك.

وكانت تعرف أن محمد ينتظرها هناك، إمامًا للحرم، لا حفيدًا عاديًا من حفدة البيوت.

الباب الثالث: محمد… الإمام الذي رأى في جدته جواب الليلة الأولى

لم يكن محمد، في مقامه في الحرم النبوي، يرى نفسه صاحب مرتبةٍ شرفية فقط، ولا رجلًا بلغ من العلم والعبادة مبلغًا يفاخر به الناس، بل كان يعرف أن في وقوفه هناك شيئًا من جواب الليلة الأولى التي وُلدت فيها أمه صفية، وضاعت بعدها، ثم عادت.

فهو لم يكن مجرد حفيدٍ صالح، بل جزءًا من تصحيحٍ إلهي طويل.

ولما دخلت عليه جدته مريم في المدينة، لم يستقبلها استقبال الإمام لزائرة عزيزة فقط، بل استقبال الحفيد الذي يعرف أن هذه المرأة هي أصل الجرح وأصل الجبر معًا في بيتهم كله.

قام لها، وقبّل رأسها، وأجلسها حيث يليق، وكانت عيناه تفيضان من المحبة الصامتة.

أما هي، فنظرت إليه طويلًا، لا كما تنظر الجدة إلى حفيدها الذي كبر، بل كما تنظر الأم التي ترى تاريخًا كاملًا متجسدًا في بشرٍ واحد.

قالت له وهي تتأمله:

— ها أنت هنا.

فقال مبتسمًا في حياءٍ جميل:

— بفضل الله ثم دعائكم يا جدتي.

فهزت رأسها ببطء، ثم قالت:

— لا… بل بفضل الله أولًا، ثم لأنه لم يضيع ما بدأه فينا.

وكان محمد يعرف ما تعنيه.

يعرف أن هذه المدينة نفسها حملت يومًا خبر “موت” صفية، ثم ها هي الآن ترى حفيدها إمامًا في الحرم.

ولهذا لم يكن حضوره بجدةٍ عاديةٍ في مجلسٍ عائلي، بل حضورًا في قلب قدرٍ مكتمل الأطراف.

ومضت الأيام الأولى في المدينة هادئة.

زارت فيها مريم المواضع المباركة، وجلس معها محمد طويلًا، وسمعت صوته وهو يؤم الناس، ووقفت في بعض اللحظات صامتةً كأنها لا تصدق أن هذا كله خرج من قلب تلك الليلة القديمة.

وكانت صفية بعيدة بالجسد، لكنها كانت حاضرة بالقلب في كل لحظة من لحظات أمها هناك.

الباب الرابع: المدينة تغلق الدائرة

هنا قيل لها يومًا إن ابنتها ماتت،

وهنا عادت بعد سنين فعرفت أن ابنتها لم تمت،

وهنا رأت واحدًا من نسلها إمامًا للحرم،

وهنا أغمضت عينيها أخيرًا.

ولم يكن موتها فجأةً صاخبة، بل أشبه بخاتمة هادئة لروحٍ عاشت طويلًا على قدرٍ ثقيل.

بدأ التعب عليها في أيام الزيارة الأخيرة يظهر أوضح.

ليس مرضًا عاصفًا، بل وهنٌ رفيق، كأن الجسد الذي صبر طويلًا، ثم رأى ما أراد، بدأ يتخفف من الأثقال أخيرًا.

دخل عليها محمد في يومها الأخير، فوجدها ساكنةً على نحوٍ يعرفه أهلُ المحاريب:

هدوءُ من لم يعد بينه وبين الله شيءٌ من الاعتراض.

جلس قريبًا منها، فقالت وهي تنظر إلى وجهه:

— الحمد لله… رأيتك.

فقال:

— أبقاكِ الله لنا يا جدتي.

فابتسمت ابتسامةً فيها من الصفاء أكثر مما فيها من التعلق، وقالت:

— لقد رأيتُ ما يكفي لقلبي.

ثم سكتت قليلًا، وأضافت:

— إذا كتبتَ اللهَ في صلاتك، فاكتب معه المكسورين دائمًا.

فهزّ رأسه، وعرف أن الجملة ليست نصيحة عامة فقط، بل ميراثٌ من امرأةٍ عاشت الانكسار أولًا ثم الجبر.

وفي ذلك اليوم نفسه، أو بعده بقليل، فاضت روحها.

ولم يكن وقع موتها في المدينة وقع موتٍ عادي على من حولها.

فقد كانت المدينة نفسها تشهد إغلاق الدائرة:

هنا كان الجرح،

وهنا جاء البرهان،

وهنا جاءت الخاتمة.

وهذا ما يجعل موتها في الرواية موتًا دلاليًا عظيمًا، لا خبرًا عابرًا فقط.

الباب الخامس: محمد يصلي عليها… الإمام الذي فقد جدته في المحراب نفسه

ولم تكن تلك الصلاة صلاة إمامٍ على جنازةٍ من جنائز الناس فقط.

كانت صلاة حفيدٍ على امرأةٍ لو لم يكتب الله لها تلك الليلة القديمة بكل ألمها وصبرها، لما قام هو يومًا في موضعه ذلك.

كان في التكبيرات معنى يتجاوز الألفاظ،

وكان في صوته شيءٌ مكسور مهيب لا يقدر على إخفائه تمامًا،

وكانت المدينة كلها في تلك الساعة كأنها تردّ الجميل لامرأةٍ خرجت منها يومًا مفجوعة، ثم عادت إليها وقد رأت برهان قلبها حيًا في محراب حفيدها.

أما الناس الذين شهدوا الجنازة، فقد رأوا إمام الحرم يصلي على جدته، لكن قليلًا منهم فقط كان يدرك العمق الكامل للمشهد.

أما البيت في البوسنة، حين عاد إليه الخبر، فقد عرف.

الباب السادس: خبر يعود إلى صفية… الطفلة المسروقة تبكي في داخل المرأة

حين عاد خبر موت مريم إلى البوسنة، لم يكن وقعه على صفية كموت فاطمة أم سعيد.

مع فاطمة، بكت صفية امرأةً فقدت سندًا من أسانيد البيت الكبير.

أما مع مريم، فبكت الطفلة المسروقة في داخلها.

وهذا هو الفارق كله.

فاطمة كانت أمًّا ثانية،

وسندًا،

ورحمةً،

وجذرًا من جذور البيت.

لكن مريم كانت شيئًا لا يمكن لامرأةٍ أخرى أن تقوم مقامه أبدًا:

كانت الأصل.

كانت أول نداءٍ صحيح،

وأول دمٍ عرفها،

وأول حضنٍ ضاع ثم عاد،

وأول موضع استطاعت فيه صفية أن تقول:

يا أمي

من غير استعارة،

ولا تردد،

ولا خوف من أن يكون الاسم خطأ.

فلما جاء خبر موتها، شعرت صفية أن الطفلة القديمة فيها هي التي وقعت على الأرض، لا المرأة التي أدارت بيوتًا وبلادًا ووقوفًا.

بكت لأنها لم تعش معها العمر كله.

بكت لأن الحليب القديم الذي انفجر يوم اللقاء لم يطل مقامه كما تشتهي الأمهات والبنات.

جلست يومها وحدها طويلًا، ولم تدخل عليها النساء أول الأمر.

كانت تحتاج أن تبكي مريم من الداخل، لا أن تستقبل عزاء البيوت الكبير.

وضعت رأسها على يديها، وسالت دموعها بصمتٍ طويل، ثم قالت الجملة التي كانت تختصر وجعها كله:

— لقد ذقتها… ثم أخذها الله.

ولم تكن تقولها اعتراضًا، بل لوعةً.

ثم أتبعتها بعد حين، وكأن الله ردّ إليها توازن القلب من داخل الدمع:

— لكنها عرفتني… وماتت وهي مطمئنة أن الله لم يضيعني.

الباب السابع: المدينة في وجدان البيت

بعد موت مريم، تغيّر معنى المدينة في وجدان البيت مرةً أخرى.

لم تعد فقط موضع الولادة الأولى لعبدالملك،

ولا موضع الجرح الأول لصفية،

بل صارت أيضًا موضع وفاة الأم التي كانت أصل الجرح وأصل الجبر معًا.

ولادة عبدالملك،

ثم وفاة مريم،

ثم لاحقًا موت محمد ساجدًا في الحرم النبوي.

وكانت هذه التكرارات في وعي صفية لا تُقرأ كمصادفاتٍ مبعثرة، بل كأن المدينة ظلّت طوال حياتها تمسك أول الخيط وآخره.

ولذلك قالت بعد أيام من خبر أمها لعبدالملك:

— المدينة ليست عندي بلدًا يا بني… المدينة عندي قدر.

فقال وهو يسمع منها على غير عادته صدى الطفلة لا صدى المرأة فقط:

— أتعنين ما فيها من الألم أم الجبر؟

فقالت:

— كليهما.

ثم أضافت:

— وبعض الأمكنة لا يعطيك الله فيها شيئًا خالصًا من نوعٍ واحد. يعطيك الجرح والدواء في الموضع نفسه، حتى تعرف أن الأمر كله بيده.

وكان هذا التعليم من نوعٍ لا تعطيه الكتب السياسية ولا دروس الفروسية، بل تعطيه السيرة الطويلة حين تختلط فيها الأرض بالقدر.

الباب الثامن: الجيل الأول يتساقط… والبيت يتعلم كيف يمشي ومعه مقابره

وهذا هو المعنى الكبير الذي استقر في البيت بعد هذه الفصول الثلاثة من الفقد:

استشهاد تقي الدين،

ثم وفاة فاطمة أم سعيد،

ثم وفاة مريم أم صفية.

صار البيت يعرف أنه لم يعد في الجيل الأول إلا من بقي يحمل الأصداء أكثر مما يحمل الأشخاص.

وصار عبدالملك وعبدالله وبقية الأبناء والبنات يرون بوضوح أن البلاد التي بين أيديهم لم تأتهم مصقولةً من السماء بلا تعب، بل خرجت من بطون النساء، ومن ركوع الرجال، ومن دم الشهداء، ومن صبر الأمهات، ومن قلوبٍ دفنت أحبابها ثم مضت.

وكان هذا من أعظم ما قوّى العهد، لا ما أضعفه.

لأن الدولة التي تتسع من غير ذاكرة موتٍ كريمة قد تتيه،

أما الدولة التي تمشي ومعها قبور أهل الفضل، فإنها تصير أقل قابليةً للغفلة.

قال عبدالملك لأحمد بعد وفاة مريم بأسابيع:

— لم يعد عندنا من الجيل الأول كثير.

فقال أحمد، وقد نضجت فيه الحدة القديمة وصارت أقرب إلى الصلابة:

— لكنهم ما زالوا فينا.

فهزّ عبدالملك رأسه وقال:

— نعم… وهذا هو الذي يخيفني ويطمئنني معًا.

— كيف؟

— يطمئنني لأننا لا نمشي وحدنا، ويخيفني لأن من يمشي ومعه هذا الإرث لا يحق له أن يصير صغيرًا.

وكانت هذه الجملة تصلح أن تُكتب على صدر هذا الطور كله.

الباب التاسع: محمد في محرابه بعد الجنازة

أما محمد، فلم تنتهِ وفاة مريم عند الصلاة عليها.

بل دخلت إلى محرابه نفسه من بعد ذلك.

صار إذا وقف في المكان الذي كانت تنظر إليه بعيني الرضا وهي تزوره، يشعر أن صوته يحمل شيئًا من نَفَسها الأخير.

وفي إحدى الرسائل التي بعث بها إلى البوسنة بعد ذلك، لم يكثر الكلام عن الحزن بصيغته العامة، بل كتب معنىً أعمق:

أن جدته ماتت وهي مطمئنة،

وأن المدينة ردّت إليها برهان قلبها قبل أن تقبض روحها،

وأن صلاته عليها كانت من أثقل ما مرّ به، لا لأن الجنازة عظيمة فقط، بل لأن الموضع نفسه كان يحمل من تاريخها ما لا يجهله.

ولما قرأت صفية الرسالة، بكت مرةً أخرى.

لكن هذه المرة كان في بكائها شيءٌ من السكينة أيضًا، لأن ابنها لم يحمل إليها خبر الموت وحسب، بل حمل إليها هيئة الموت كذلك:

موتًا في موضعٍ كريم،

وبعد رؤيةٍ مكتملة،

وفي جوار حفيدٍ إمام.

الباب العاشر: خاتمة الفصل… الأم التي أغلقت الدائرة

وهكذا لم تمت مريم في المدينة على صورةٍ عابرة.

بل ماتت على صورة خاتمةٍ مستوفاة:

أمٌّ قيل لها يومًا إن ابنتها ماتت هناك،

ثم عادت بعد السنين فعرفت أن ابنتها لم تمت،

ورأت من نسلها إمامًا في الحرم النبوي،

وبذلك يكون الجيل الأول قد سقطت أركانه واحدًا بعد آخر،

لكن البناء لم يسقط،

بل ازداد نضجًا حزينًا.

وعرفت صفية، وعبدالملك، وعبدالله، وبقية الأبناء، أن الله لا يربي هذه السلالة على الاتساع فقط، بل على أن تتعلم كيف تمشي ومعها مقابرها.