الفصل التاسع عشر

الفصل التاسع عشر — بخارستان بعد اللقاء

حين ردَّ الأب إلى ابنته بيتًا يليق بسرقتها، وبدأ عبدالملك يلوح في رحمٍ عاد إليه اليقين

0 باب

الباب الأول: الأيام التي لم يهدأ فيها البكاء، لأن الفرح نفسه كان يوجع

لم يكن اللقاء العظيم عند الباب خاتمة الجرح كما يظن من يقرأ الحكايات من ظاهرها، بل كان في الحقيقة بداية الشفاء الصحيحة، والشفاء الصادق لا يأتي دائمًا في صورة سكون، بل كثيرًا ما يبدأ برجفةٍ جديدة، لأن الروح إذا استردت دفعةً واحدة ما فقدته على مدى العمر، اضطربت أولًا قبل أن تهدأ.

في الأيام الأولى بعد اللقاء، كانت صفية تمشي في بيت أبيها وأمها كأنها تمشي في رؤيا لم تكتمل بعد.

تدخل الغرفة فتقف لحظةً عند عتبتها، لا لأنها لا تعرف أين تجلس، بل لأنها ما كانت قد تعودت بعدُ أن يكون لها موضعٌ مشروع في بيتٍ لا تحتاج فيه إلى الاعتذار عن وجودها.

وكانت كلما سمعت مريم تناديها:

— يا صفية

يرتجف شيءٌ في داخلها، لا من الألم هذه المرة، بل من رهبة الجبر.

فالاسم الذي ضاع عمرًا كاملًا، ثم عاد يُقال في فمه الصحيح، لا يدخل القلب كما تدخل الكلمات العادية؛ يدخل كالماء إلى أرضٍ محروقة، فيحييها ويؤلمها في آنٍ واحد.

وفي إحدى الصباحات، استيقظت قبل الجميع، وخرجت إلى الساحة الصغيرة الملحقة بالبيت.

كان الفجر لا يزال متعلقًا بأطراف السماء، والندى على أوراق الشجر خفيفًا مثل دموعٍ بردت بعد بكاء الليل.

وقفت هناك وحدها، ثم وضعت يدها على صدرها، وقالت همسًا كأنها تختبر الحقيقة مرةً أخرى:

— أنا صفية… أنا حقًا صفية.

ولم تكن تكلّم الهواء، بل كانت تكلم الأعوام التي مرّت عليها باسمٍ آخر، وتريد أن تُسمعها أن الكذب الطويل انكسر أخيرًا.

خرجت مريم من الداخل فرآتها، فاقتربت ببطءٍ من غير أن تقطع عليها خلوتها.

وقفت إلى جوارها، ثم قالت:

— لم تنامي جيدًا؟

فابتسمت صفية، وقالت:

— نمت… لكنني كلما استيقظت خشيت أن أكون ما زلت في الحلم.

فمدّت مريم يدها إلى وجنتها، ومسحتها كما تمسح الأمهات خوفًا قديمًا، وقالت:

— لهذا ألمسك كل ساعة… حتى أطمئن أنا أيضًا.

ثم سكتت قليلًا، وأضافت بصوتٍ مكسور وحنون:

— يا ابنتي، لا تعتذري لقلبك إن بكى كثيرًا في هذه الأيام. الفرح إذا جاء متأخرًا لم يدخل على هيئة ابتسامة فقط… يدخل أحيانًا على هيئة دموعٍ لا تنتهي.

فأطرقت صفية رأسها، ثم وضعت رأسها على كتف أمها كما لو أنها تستدرك ببطءٍ طفولةً كاملةً سُرقت منها.

وفي تلك اللحظة، شعرت لأول مرة أن الجبر ليس خبرًا سمعته، بل جسدًا يضمها.

الباب الثاني: مجلس الإخوة، والعشاء الأول الذي جلس فيه النسب كاملًا حول مائدةٍ واحدة

ولأن البيوت الكبيرة لا تعيش بالعاطفة وحدها، فقد جاء بعد اللقاء وقتُ الجلوس، والتعارف، وعودة الأسماء إلى مواضعها العملية.

وفي تلك الليلة اجتمع البيت كله حول مائدة عشاءٍ أرادت مريم أن تكون أول مائدة تجلس إليها صفية لا كضيفة، بل كابنةٍ عادت بعد طول غياب.

كان الضوء دافئًا، والمائدة عامرةً بما أعدته النساء على عجلٍ محب، لا على رسم الولائم المتكلفة.

وفي مثل تلك المجالس يظهر معدن البيوت: أيكون الطعام وحده هو الحاضر، أم تكون المحبة أيضًا؟

وكانت المحبة هنا أثقل من الأطباق.

جلس تقي الدين في صدر المجلس، لا بتكبر الرؤساء، بل بهيبة الآباء إذا شعروا أن الله ردّ إليهم نعمةً عظيمة فيتأدبون معها.

وعلى يمينه مريم، وعلى مقربة منهما صفية وسعيد، ثم توزّع الإخوة: رشيدة، وحميدة، وعماد الدين، وبدر الدين، وحسام الدين، وآية بنت عماد الدين، وكلٌّ منهم يحمل في نظرته شيئًا مختلفًا إلى الأخت العائدة.

أما رشيدة، فكانت تنظر إلى صفية بعين الأخت الكبرى التي لا تريد أن تخيفها بفيض عاطفتها، فتكتفي بابتسامةٍ طويلةٍ فيها وعدٌ صامت: سيكون لكِ عندي ما فاتكِ من حنان الأخوات.

وأما حميدة، فكانت أكثر صراحةً في دموعها؛ كلما نظرت إليها امتلأت عيناها، ثم تستدرك نفسها وتلتفت إلى شيءٍ في المائدة كي لا تبكي أمام الجميع.

وأما الرجال، فكانوا في هيبةٍ ظاهرة تخفي وراءها رقةً ضخمة، لأن الأخ إذا قيل له بعد عمرٍ من الفقد إن هذه أختك التي لم تمت، لم يعد يعرف كيف يجمع بين وقار الرجولة وفرح الطفولة.

وفي أثناء الطعام، قال عماد الدين وهو يبتسم ابتسامةً هادئة:

— أظن أن البيت لم يعرف من قبل هذا القدر من الارتباك الجميل.

فقال سعيد:

— الارتباك الجميل علامةُ أن القلوب ما زالت حية.

فضحك بدر الدين وقال:

— إذن فبيتنا اليوم حيٌّ أكثر من اللازم.

ثم التفت حسام الدين إلى صفية وقال، وقد كان أقلهم كلامًا:

— أتعلمين؟ كنا نسمع أمنا تذكر اسمك أحيانًا ثم تسكت، وكنا نفهم أن في القلب قصةً لا تريد أن تفتحها. اليوم فقط فهمتُ لماذا كان سكوتها أثقل من الكلام.

هنا انخفضت عين مريم، وغلبتها دمعةٌ حاولت سترها.

أما صفية، فلم تقدر على الجواب أول الأمر، ثم قالت:

— وأنا أيضًا كنت أعيش شيئًا لا أستطيع تفسيره. كأن روحي تعرف أن لها أهلًا لم أرهم، وتشتاق إلى بيتٍ لم أدخله قط.

فساد صمتٌ عميق.

وكان ذلك الصمت من أجمل ما في المجلس، لأنه لم يكن صمت حرج، بل صمت اعترافٍ بأن بعض الجروح لا تحتاج إلى أن تُشرح كاملةً حتى تُفهم.

وفي آخر العشاء، قامت آية بنت عماد الدين، وكانت فتاةً ذكية العينين، هادئة القسمات، وقالت لصفية:

— سأريكِ غدًا البيت كله… لا أريدك أن تبقي غريبةً عن زاويةٍ واحدة فيه.

فابتسمت صفية لأول مرة منذ وصولها ابتسامةً واسعة صافية، وقالت:

— وأنا لا أريد أن تبقى زاويةٌ واحدة في قلبي غريبة عنكم.

وهنا شعر تقي الدين أن الله لم يرد إليه ابنةً فحسب، بل ردّ إلى بيته اكتماله.

الباب الثالث: الأب الذي خرج بابنته إلى المدينة، كأنما يعرّف الحجر على اسمها من جديد

في اليوم الثالث، قال تقي الدين لصفية بعد الفجر:

— اذهبي واستعدي… سأخرج بك اليوم.

نظرت إليه في دهشةٍ محببة، وقالت:

— إلى أين؟

فقال:

— إلى بخارستان… ولكن لا كما رآها الغرباء، بل كما يريها الأب ابنته.

وكانت هذه الجملة وحدها كافيةً لأن تملأ صدرها بشيءٍ من الهيبة الحلوة.

لأن الآباء لا يورثون أبناءهم البيوت والأموال فقط، بل يورثونهم أيضًا طريقة النظر إلى المكان، فيصبح الشارع شجرةَ نسب، ويصبح السوق ذاكرةً، ويصير الحجر شاهدًا.

خرجت معه، وسعيد إلى جوارهما، يمشي في الخلف قليلًا كأنه يعرف أن بين الأب وابنته كلامًا ينبغي أن يكون له مجاله الخاص.

كان الصباح باردًا على نحوٍ لطيف، والمدينة قد بدأت تستيقظ، لكنّ الناس ما يزالون أقل من زحمة الظهيرة.

مرّ تقي الدين بها على أحياءٍ قديمة، وأشار إلى مسجدٍ قديم وقال:

— هنا كنت آتي وأنا شاب، قبل أن تتسع المسؤوليات، وقبل أن تثقلني السنون.

ثم أشار إلى مكتبةٍ حجرية قديمة وقال:

— وهنا اشتريت أول نسخةٍ من كتابٍ لازمني أعوامًا.

ثم وقف عند ممرّ ضيق تتدلى فوقه نباتاتٌ متسلقة وقال:

— وهنا مرةً وقفتُ طويلًا أدعو الله أن يردّ إليّ شيئًا لا أدري أين ضاع.

التفتت إليه صفية بسرعة، فلم يكمل.

لكنها فهمت.

وأدركت أن الأب الذي كان يبدو صلبًا ساكنًا، قد عاش في داخله من الفقد ما لم يظهره لأحد.

قالت له بعد صمت:

— هل كنتَ تذكرني كثيرًا؟

فقال من غير التفات، كأنه يخشى إن نظر في عينها أن تفضحه دموعه:

— لا يمر يومٌ من غيرك. لكن الرجال لا يبكون كل يوم أمام الناس. بعضهم يجعل بكاءه دعاءً، وبعضهم يجعله صمتًا.

وسارت إلى جواره، وشعرت أن هذه الجملة وحدها ردّت إلى أبيها في قلبها أعوامًا لم تعشها معه.

ثم مرّا برجلٍ مسنّ يجلس عند دكانٍ صغير لبيع الخبز.

فلما رأى تقي الدين، نهض مرحبًا به، ثم نظر إلى صفية وقال:

— من هذه؟

فأجابه تقي الدين بصوتٍ اعتدل فيه الوقار والفرح معًا:

— ابنتي.

ولم يزد.

لم يقل: ابنتي العائدة، ولا ابنتي التي ضاعت، ولا ابنتي التي ظنناها ماتت.

قالها مجردةً كاملة: ابنتي.

وكانت الكلمة في بساطتها أعظم من كل الشروح.

أما الشيخ، فقد بارك له، ثم قال وهو يتأمل وجه صفية:

— نعم… الآن فهمتُ لماذا كان وجهك حزينًا أعوامًا.

فابتسم تقي الدين ابتسامةً خفيفة، ومضى.

وفي تلك الجولة، لم تتعرف صفية على المدينة فحسب، بل تعرفت على أبيها أيضًا: كيف يصمت، وكيف يختصر، وكيف يحمل آلامه كما يحمل السيوف القدامى أغمادهم؛ ثابتةً في الظاهر، جارحةً في الداخل.

الباب الرابع: المزرعة الكبرى… حين قال الأب لابنته: أريد أن يكون لكِ في الأرض موضعٌ لا يُنتزع

وبعد أيامٍ من سكون القلب النسبي، دعا تقي الدين صفية وسعيدًا إلى مجلسه بعد العصر.

كان وجهه يومئذٍ أكثر جديةً من المعتاد، لكنّ في عينيه شيئًا من الضوء الذي يسبق الأخبار السعيدة.

قال لهما بعد أن جلسا:

— لقد فكرت كثيرًا منذ عودتك يا صفية.

ثم سكت لحظة، وأضاف:

— من سرقوا منك الاسم، سرقوا مع الاسم أول الطريق. وأنا لا أستطيع أن أردّ السنوات، لكنني أستطيع أن أبدأ لك طريقًا جديدًا لا يقوم على العطف وحده، بل على الثبوت.

نظرت إليه صفية في انتباهٍ عميق، أما سعيد فمال بجسده قليلًا إلى الأمام، يعرف أن ما سيقال الآن ليس من الكلام العابر.

قال تقي الدين:

— عند أطراف بخارستان مزرعة واسعة كنتُ أحتفظ بها، فيها أرض خصبة، وماء، وموضع يصلح للسكن والبناء. وقد عزمت أن أجعلها لكما.

ثم نظر إلى صفية مباشرةً وقال:

— أريد أن يكون لكِ في الأرض موضعٌ لا يُنتزع.

ولم تفهم صفية الجملة كلها أول الأمر من شدة ما باغتها الخبر.

ظلت تنظر إليه، ثم إلى مريم، ثم إلى سعيد، كأنها تستوثق أن الكلمات لم تُسمع على غير حقيقتها.

قالت بصوتٍ مرتجف:

— لي… أنا؟

فقال:

— لكِ ولبيتكِ الذي سيقوم منكِ.

ثم أضاف بعد لحظة:

— لا أريد أن تبقي عائدةً إلى بيتنا فحسب، بل أريد أن يكون لكِ بيتكِ أنتِ، وأرضكِ أنتِ، ومسجدكِ الذي يُرفع فيه الأذان ويشهد أن هذا الخطأ القديم لم ينتصر.

هنا غلبت صفية دموعها، وانحنت إلى يد أبيها تقبّلها، فمنعها ورفعها إليه.

وقالت:

— يا أبي… لقد رددتَ إليّ اليوم أكثر من أرض.

فقال:

— أنا فقط أحاول أن أعتذر للتاريخ عن تأخر الجبر.

أما سعيد، فكان صامتًا على طريقة الرجال إذا عظمت النعمة وخشوا أن تفسدها البلاغة.

ثم قال أخيرًا:

— والله يا عمّ، ما حفظتُ صفية إلا وقد رأيت فيها معدنًا عظيمًا، لكنني اليوم أفهم من أين جاء.

فنظر إليه تقي الدين نظرة تقدير، وقال:

— وأنت يا سعيد، ما كنتَ في هذه القصة زوجًا فقط… كنتَ سترًا من الله.

وكانت هذه أول مرة يسمع فيها سعيد من والد صفية اعترافًا مباشرًا بهذه الصيغة.

فأطرق احترامًا، وشعر أن المزرعة التي ستُمنح لهما لم تكن هبة أرض فحسب، بل كانت عقد ثقة بين رجلين جمعتهما امرأةٌ عظيمة القدر في الرواية وفي القلب.

الباب الخامس: الزيارة الأولى إلى الأرض، وحكاية الحارس العجوز الذي قال إن بعض الأراضي تنتظر أصحابها

خرجوا بعد يومين إلى المزرعة.

كانت تقع في طرفٍ أهدأ من أطراف بخارستان، يجاوره بستانٌ ممتد، وأرضٌ تنحدر برفق نحو جدول ماءٍ صغير، وفي أطرافها أشجارٌ قديمة من الجوز والتفاح، وبعض الحقول المفتوحة التي تصلح للزراعة والرعي معًا.

ولمّا وصلت صفية، توقفت طويلًا عند أول المشهد.

لم تكن ترى مجرد أرض، بل كانت ترى مستقبلًا كاملًا على هيئة تربةٍ مفتوحة.

رأت في خيالها بيتًا يرتفع هنا، ومصلى صغيرًا هناك، ثم مسجدًا أكبر حين يتسع الأمر، ورأت أطفالًا يركضون بين الأشجار، ورأت خيولًا تُربط في الجهة الشرقية، ورأت سعيدًا وتقي الدين واقفين في طرف المكان يخططان لشيءٍ أكبر من سكنٍ عادي: لبيتِ سلالة.

وكان مع المزرعة حارسٌ عجوز اسمه يونس، رجلٌ نحيل ذو لحيةٍ بيضاء قصيرة، وعينين فيهما صفاء البسطاء الذين عاشوا مع الأرض حتى صاروا يشبهونها.

ولمّا قُدمت له صفية، ظل ينظر إليها لحظةً ثم قال:

— سبحان الله…

فسأله تقي الدين:

— ما بالك يا يونس؟

فقال العجوز:

— هذه الأرض منذ سنين لا تطمئن لمن يدخلها. كلما جاءها أحد أحسستُ أنها تنفر. واليوم فقط… لا أدري… كأنها سكنت.

ابتسم تقي الدين، وقال:

— هذه ابنتي، والمزرعة لها.

فقال يونس من غير تكلف:

— نعم… الآن فهمت. بعض الأراضي تنتظر أصحابها كما تنتظر القلوب أبناءها.

وكان من طبع صفية أن تتعلق بالجمل التي تأتيها على ألسنة البسطاء إذا وافقت ما في قلبها، فحفظت هذه الجملة في داخلها.

ثم مضت مع أبيها وسعيد في أنحاء المزرعة.

وقفوا عند الجدول، فقال سعيد:

— هنا يصلح موضع الساقية.

وقال تقي الدين:

— والبيت ينبغي أن يكون في الجهة المرتفعة، حتى يرى السهل ولا تغمره رطوبة الشتاء.

فقالت صفية وقد امتلأت عيناها بالمكان:

— وأين يكون المسجد؟

فنظر إليها أبوها نظرةً أعجبته، ثم قال:

— المسجد أول ما فكرتِ فيه؟

قالت:

— لأن البيوت تُبنى بالحجارة، أما البركة فتحتاج موضعًا تنزل فيه أولًا.

فضحك تقي الدين من قلبه، وقال لسعيد:

— هذه ابنتي حقًا.

ثم جلسوا تحت شجرة جوزٍ كبيرة في طرف المزرعة، وأخرج يونس إبريق شايٍ بسيطًا صنعه على موقدٍ صغير.

وبينما كانوا يشربون، حكى لهم العجوز حكايةً قديمة عن امرأةٍ صالحة كانت تمرّ بهذه الأرض في شبابها وتقول:

“سيأتي على هذا الموضع يومٌ يقوم فيه بيتٌ يخرج منه رجالٌ للثغور، ونساءٌ يحفظن البيوت بالعلم والإيمان.”

ولم يكن أحد يعرف إن كانت الحكاية صحيحة أم من قصص الذاكرة الشعبية التي تخلط الصدق بالرمز، لكن وقعها في نفس صفية كان عجيبًا.

نظرت إلى الأفق، وشعرت أن المزرعة لا تستقبلها من الخارج فقط، بل من الداخل أيضًا.

الباب السادس: البناء الأول… حين ارتفع البيت، ووُضع أساس المسجد قبل أن يكتمل السقف

ما إن استقر الرأي على موضع البناء حتى بدأت الحركة.

وجيء بالبنّائين والنجارين وأهل الحجر والخشب، وصار المكان الذي كان بالأمس أرضًا ساكنة يتحول بالتدريج إلى ورشة حياة.

وكان سعيد من الرجال الذين لا يكتفون بالنظر من بعيد.

نزل بنفسه إلى تفاصيل البناء، يقيس، ويسأل، ويراجع، ويختبر مواضع الغرف، ويقترح أين يكون المجلس، وأين يكون مخزن الحبوب، وأين تُعدّ الجهة التي تصلح لإسطبل الخيل في المستقبل.

أما تقي الدين فكان يوازن بين الرؤية العملية ورؤية القلب؛ يريد بيتًا واسعًا يستقبل، لكنه لا يريده بيت ترفٍ فارغ، بل بيتًا يصلح للعلم، وللسكن، وللعائلة الكبيرة التي تتسع مع الأعوام.

وفي أحد الأيام، احتدم نقاشٌ لطيف بين البنّاء الرئيسي وسعيد حول ترتيب موضع الساحة الداخلية.

قال البنّاء:

— الأفضل أن تكون الساحة هنا، قريبةً من المدخل.

فقال سعيد:

— لا، بل تكون في الداخل، حتى يكون للبيت حرمه وهدوؤه.

ثم التفت إلى صفية وسألها:

— وأنتِ ما رأيك؟

فقالت بعد تأمل:

— اجعلوا الساحة في الداخل، لكن افتحوا لها جهةً على الأشجار. أريد للبيت أن يشعر كلما تنفس أنه في أرضٍ حية.

فنظر البنّاء إلى تقي الدين وقال ضاحكًا:

— يبدو أن سيدة البيت ترى بعين الشاعر والزارع معًا.

فقال تقي الدين:

— دعك من الضحك وافعل ما قالت.

أما المسجد، فقد كان أمره عند صفية أعجل من أمر الغرف.

قالت لأبيها يومًا وهي تشاهد العمال:

— لا أريد أن يكتمل البيت قبل أن يوضع موضع السجود.

فقال:

— أفهمك.

ثم أمر أن يبدأ أساس المسجد الصغير في الجهة القريبة من البستان، على أن يتسع لاحقًا إذا كبر البيت وكبرت السلالة.

وجاء نجارٌ عجوز ليصنع باب المسجد الأول، وكان رجلاً محبًا لعمله، إذا طرق الخشب بيده شعر أنه يكلم شيئًا حيًا.

فسأل صفية:

— أأي نوعٍ من الأبواب تريدين؟

فقالت:

— بابًا بسيطًا، لكن إذا فتحه المرء شعر أنه دخل سكينة.

فقال الرجل مبتسمًا:

— هذه أصعب الأبواب، لكنها أجملها.

وكانت مريم تخرج أحيانًا مع صفية لترى تقدم البناء، فتقفان تحت ظل شجرة وتراقبان الرجال وهم يرفعون الحجر فوق الحجر.

وفي إحدى تلك الوقفات، قالت مريم:

— يا ابنتي، حين ولدتكُ قرب الحرم تمنيتُ فقط أن أراكِ تكبرين أمامي. لم أتخيل يومًا أنني سأقف معكِ هنا وأنتِ تبنين بيتكِ ومسجدكِ.

فقالت صفية:

— وأنا لم أتخيل يومًا أنني سأبني شيئًا في الدنيا وأنا أعرف أخيرًا من أنا.

ثم وضعت يدها على الجدار الذي لم يجفّ طينه بعد، وقالت:

— هذا البيت لا يُبنى من الحجر وحده يا أمي. يُبنى من اسمٍ عاد، ومن دعاءٍ لم يمت.

الباب السابع: فاطمة أم سعيد… حين التقت الأمّان، وعرف البيت معنى أن تتجاور الرحمتان

وفي أثناء البناء والإقامة، جاء الخبر الذي زاد البيت بهجةً وطمأنينة:

وكان في قلب صفية شوق خاص إلى هذه اللحظة.

ففاطمة لم تكن أم زوجٍ فحسب، بل كانت من الوجوه القليلة التي لقيت منها في حياتها معنى الاحتواء غير المشروط.

والأرواح التي عاشت قلة الحنان، تحفظ وجوه من أكرموها ولو بكلمة.

حين وصلت فاطمة، خرج الجميع لاستقبالها.

كانت امرأةً يكسو وجهها نورُ الإيمان القديم، وتظهر في قسماتها قوة النساء اللواتي عجنتهن الحياة بالمشقة فلم يزدهن ذلك إلا سعةً في الصدر.

ما إن رأت صفية حتى فتحت ذراعيها، وقالت:

— تعالي يا ابنتي.

فاندفعت صفية إليها، وشعرت أنها تنتقل من حضن رحمةٍ إلى حضن رحمةٍ آخر.

ثم التفتت فاطمة إلى مريم، فوقفتا لحظةً تتأمل كل واحدة منهما الأخرى.

كانت تلك من اللحظات النادرة التي لا يجتمع فيها مجرد نسبين، بل تاريخان من الألم والجبر.

قالت فاطمة لمريم:

— لقد حفظها الله لكِ، وحفظها لنا أيضًا.

فقالت مريم:

— وأنتِ كنتِ لها من الرحمة ما لا أنساه لكِ.

فأجابت فاطمة:

— الأمومة لا تضيق إذا كثرت. نحن اليوم لا نتقاسمها… نحن نوسّعها.

ومنذ ذلك اليوم، صار في البيت مشهدٌ عجيب: أمٌّ ردّ الله إليها ابنتها، وأمٌّ أخرى استقبلت تلك الابنة يوم كانت وحيدةً في طرق النجاة.

وكانت صفية تجلس أحيانًا بينهما، فتشعر أن الله يعوض بعض الناس لا بقدر ما فقدوا فقط، بل بأكثر.

وفي إحدى الليالي، اجتمعت الأمّان وصفية في المجلس الصغير، وسعيد قريبٌ منهنّ.

فقالت فاطمة لمريم مبتسمة:

— أخبريني، كيف كانت وهي طفلة يومين؟ هل كانت هادئة كما هي الآن؟

فاغرورقت عينا مريم وقالت:

— كانت هادئة على نحوٍ يخيف… كأنها تحفظ سرًا.

فضحكت فاطمة، وقالت:

— إذن لم يتغير فيها شيء. حتى وهي عندنا، كان في سكونها ما يجعلك تشعر أن هذه البنت تعرف عن الدنيا أكثر مما ينبغي.

فقال سعيد مازحًا:

— وأنا وقعت في هذا السكون أول ما وقع لي.

فنظرت إليه صفية بعينٍ تلمع حياءً، فقالت فاطمة:

— الحمد لله أنك وقعت فيه ولم تُفلت.

فضحك المجلس كله.

وكانت تلك الضحكة، على بساطتها، علامةً على أن البيت الجديد لم يُبن بالحجر وحده، بل بالأنس أيضًا.

الباب الثامن: مجالس المساء… حين بدأ سعيد وتقي الدين يحلمان ببيتٍ يخرّج فرسانًا قبل أن يولد الأطفال

لم تكن إقامة سعيد في بخارستان إقامة رجلٍ مستريح إلى نعمة المصاهرة فقط، بل كان في داخله شيءٌ آخر يتحرك: رؤيةٌ أبعد من السكن والرزق.

وكان تقي الدين يلحظ ذلك فيه، فيأنس به، لأن الرجلين وإن اختلف العمر بينهما، كان بينهما نسبٌ خفي من حيث النظرة إلى التربية والمعنى.

كانا يجلسان بعد العشاء في طرف المجلس، وأمامهما مصباح زيتٍ هادئ، وصوت الليل خارج الجدران يخف شيئًا فشيئًا.

تبدأ المجالس بالكلام في أحوال الأرض والبناء، ثم لا تلبث أن تخرج إلى ما هو أبعد: كيف ينبغي أن يُربى البيت الجديد، وما الذي يجب أن ينشأ عليه الأبناء الذين لم يولدوا بعد.

قال تقي الدين ليلةً:

— أكثر البيوت تبني غرفًا، ثم تنتظر من الغرف أن تصنع رجالًا. وهذا خطأ. الرجال يُبنون أولًا في الفكرة، ثم تأتي الجدران خادمةً لها.

فقال سعيد:

— وأنا أريد هذا البيت بيتًا يقرأ فيه القرآن كما تُشحذ فيه السيوف.

فقال تقي الدين:

— إذن فنحن على الطريق نفسه.

وكانت صفية تسمع أحيانًا شيئًا من هذا الكلام، فتسكت، لكنّ في قلبها فرحًا عميقًا، لأنها كانت ترى في هذه المجالس نواة المستقبل كله:

أبناءٌ يخرجون من بين القرآن والفروسية، من بين العلم والثبات، لا من بين الترف الخاوي.

وفي مرةٍ خرج الرجال الثلاثة إلى المزرعة بعد الفجر، وكان الضباب يعلو السهل قليلًا.

وقف سعيد في الجهة الشرقية، ثم قال:

— هنا أرى موضع التدريب إذا رزقنا الله أبناء.

فقال تقي الدين:

— لا تعجل… لم يُكتبوا بعد.

فقال سعيد مبتسمًا:

— لكن الرجال يهيئون المواضع قبل أن تأتي الأقدار.

وهنا تدخلت صفية، وكانت تسير معهما على مهل:

— وإذا رُزقنا بنات؟

فقال تقي الدين مبتسمًا:

— نعلّمهن من القوة ما يصونهن، ومن العلم ما يرفعهن، ومن الرحمة ما يجعلهن أمهات السلالة.

فقالت صفية:

— هذا هو البيت الذي أريده.

ثم جلسوا عند طرف الجبل القريب، يحكون قصصًا عن صغارٍ عرفوهم في الأسر والبيوت، من نجا لأن أباه علمه باكرًا معنى الصبر، ومن هلك لأنه كبر على الدعة والهوى.

وحكى تقي الدين قصةً قديمة عن فتىً من بخارستان كان شجاعًا في ساحة القتال، لكنه انهار في أول فتنةٍ من فتنة النساء والمال، ثم قال:

— الفروسية ليست ركوب خيل فقط. الفارس من يثبت في ساحة نفسه أولًا.

حفظ سعيد الجملة.

وحفظتها صفية أيضًا.

الباب التاسع: البشارة الأولى… حين مرّ عبدالملك في الخفاء قبل أن يُسمّى

ومع سكون الأيام قليلًا، وقيام البيت على ساقيه الأولى، وامتلاء النفس بشيءٍ من الأمان بعد طول اضطراب، بدأ في جسد صفية تغيرٌ لطيف لم يغب عن عين الأمّين.

كانت تُتعبها بعض الروائح، وتثقل عليها بعض الساعات، وتغلبها غفوةٌ مفاجئة بعد الظهر، وتستيقظ أحيانًا وفي قلبها خفةٌ غريبة لا تشبه المرض.

كانت مريم أول من لمح ذلك، لكنها لم تشأ أن تبادر بالكلام قبل التثبت.

أما فاطمة، فكانت أصرح بطبعها، فقالت يومًا وهي تراقب صفية وقد تركت بعض الطعام على غير عادتها:

— ما بالُكِ؟ هذا الطبق كنتِ تحبينه بالأمس.

فابتسمت صفية في حياء، وقالت:

— لا أدري… كأن نفسي ليست على حالها.

فنظرت فاطمة إلى مريم، وتبادلت المرأتان تلك النظرة التي تعرفها الأمهات من غير كلام.

وبعد أيام، ثبت الأمر.

كانت صفية تحمل أولَ حملها.

ولم يكن الخبر في البيت عاديًا، لأن الحمل الأول في هذه المرحلة لم يكن مجرد زيادة عدد في العائلة، بل كان أول ثمرة مباشرة للجبر كله: بعد الاسم، وبعد اللقاء، وبعد المزرعة، وبعد البيت، جاء الامتداد.

دخل سعيد على صفية حين أخبرته مريم، فوجدها جالسة قرب النافذة، وعيناها ممتلئتان بفرحٍ مشوب بخشية.

جلس قبالتها، وقال:

— أحقًا؟

فأومأت، ثم ضحكت من بين دموعها، وقالت:

— يبدو أن الله يريد لهذا البيت أن يبدأ سريعًا.

فسكت سعيد لحظةً، ثم مدّ يده إلى يدها وقال:

— لا أريد أن أقول كلامًا كثيرًا يفسد هيبة النعمة… لكنني أشعر أن شيئًا عظيمًا يدخل الرواية الآن.

ثم دخلت مريم وفاطمة، وجلسن معها طويلًا.

كانت فاطمة تروي لها خبرتها في الحمل والولادة، وكيف تحمي نفسها من التعب، ومتى ترتاح، وماذا تأكل، وماذا تتجنب.

أما مريم، فكانت أقل كلامًا وأكثر نظرًا.

تنظر إلى بطن ابنتها نظراتٍ طويلة، وكأنها ترى الزمن يعتذر لها بطريقةٍ لا تجيدها اللغة.

وفي ليلةٍ من تلك الليالي، رأت صفية رؤيا خفيفة لا تكاد تشبه الرؤى الكبرى التي مرّت بها من قبل، لكنها بقيت في نفسها.

رأت طفلًا صغيرًا يقف على ربوةٍ خضراء، وفي يده راية، وخلفه خيلٌ لا تزال بعيدة.

لم ترَ ملامحه واضحة، لكنها رأت في وقفته ثباتًا أكبر من سنه.

فلما حكت الرؤيا لسعيد، قال مبتسمًا:

— إذن فهو ولد؟

قالت:

— لا أدري… لكن قلبي يقول نعم.

فقال:

— وما اسمه؟

فقالت بعد صمتٍ قصير:

— لا أعلم… لكن في صدري اسمٌ ثقيل جميل… عبدالملك.

ولم يكن الاسم قد قُطع به بعد، لكنه مرّ في البيت أول مرة على هيئة خاطر.

الباب العاشر: الليل الذي شهد اكتمال المعنى الأول، وبداية المعاني الكبرى

في تلك الليلة، بعدما هدأ البيت، ونامت الأصوات، خرجت صفية إلى الساحة الجديدة في المزرعة، وكان بعض الجدار قد ارتفع، ووُضع باب المسجد الصغير في موضعه، وإن لم يكتمل كل شيء بعد.

وقفت تحت السماء، والهواء البارد يمرّ عليها برفق، ثم نظرت إلى البيت نصف المبني، وإلى موضع المسجد، وإلى الأشجار الساكنة، وإلى الأرض الواسعة التي منحها إياها أبوها، ثم وضعت يدها على بطنها في حركةٍ تلقائيةٍ لا واعية.

وجاء سعيد فوقف إلى جوارها.

قال:

— أتفكرين في شيء؟

قالت:

— في أشياء كثيرة…

ثم سكتت، وأضافت:

— أفكر أنني كنت يومًا طفلةً لا تملك حتى اسمها، وها أنا الآن أقف في أرضي، وبجواري زوجي، وأبي وأمي في البيت، وأمّك معنا، وفي رحمي بدايةُ بيتٍ جديد.

فقال سعيد:

— هذه ليست حياةً عادية يا صفية.

قالت:

— أعلم. ولهذا أخافها قليلًا.

فقال:

— لا تخافي من النعمة إذا جاءت بعد امتحانٍ طويل. النعمة التي تُبتلى قبل أن تأتي، تكون أثبت إذا جاءت.

ثم أشار إلى المسجد الصغير وقال:

— غدًا نصلّي فيه أول صلاةٍ إن شاء الله، ولو لم يكتمل إلا بالقدر الذي يسجد فيه الإنسان.

فقالت:

— نعم… أريد أن يدخل الحمد هذا البيت قبل الأثاث.

وفي تلك اللحظة، سمعا من الداخل صوت مريم تناديها، وصوت فاطمة يجيبها، وضحكةً بعيدة لآية بنت عماد الدين، وخطوات رجالٍ يعودون من طرف المزرعة.

فابتسمت صفية وقالت:

— أتعرف؟ لأول مرة في حياتي، لا أشعر أنني زائدة على المشهد.

فقال سعيد وهو ينظر إلى البيت:

— لأنكِ الآن المشهد نفسه.

وبهذا انتهى طور بخارستان بعد اللقاء:

طورُ تثبيت الاسم في البيت،

وتثبيت القلب في الأهل،

وتثبيت القدم في الأرض،

وبدء بناء البيت والمسجد،

واجتماع الأمّين،

وابتداء الحمل الأول.