الفصل السبعمئة وأربعة وستون: سعيد بن محمد يبني طبقة العلماء والقضاة الجدد
فهم سعيد بن محمد
أن الخطر على الدولة
بعد هذا الامتداد الطويل
لم يعد فقط
في الجيوش والحدود،
بل في شيء أخفى:
أن تموت المعاني
إذا مات حاملوها،
أو أن تبقى الدولة قوية
لكنها تعيش
على بقايا رجالٍ استثنائيين
لا على مؤسسات
تُخرج أمثالهم.
ولهذا
جعل من أهم أعمال عهده
بناء الطبقة الجديدة من العلماء والقضاة والولاة.
فلم يعد التعليم العالي
مقصورًا على أبناء القلب،
ولا على أبناء البيوت المعروفة،
بل فُتحت المدارس العظمى
في البوسنة والعواصم المفتوحة
وأطراف البلقان
لأبناء الأقاليم كلها.
وكان النظام فيها
يقوم على أربعة أركان:
العلم الشرعي
حتى لا تنفصل الدولة عن ميزانها.
والإدارة والديوان
حتى لا يفسد الحكم
إذا كثر الجهال.
واللغات والتاريخ
حتى لا تحكم الدولة شعوبها
كأنها صمّاء لا ذاكرة لها.
والرحمة الاجتماعية
حتى يعرف القاضي والوالي
أن الدولة
ليست أوراقًا وأوامر فقط.
وكان يقول:
— لا أريد قضاةً
يحفظون المتون
ويجهلون الإنسان،
ولا ولاةً
يعرفون الحساب
ويفسدون البيوت،
ولا علماء
يحبون العهد في الخطب
ثم يهربون
إذا سئلوا عن المظالم الصغيرة.
وفي هذا الباب
ظهر لأول مرة
جيل جديد
من أبناء الدولة
لا يشعر الناس
أنه تابع لبيت صفية فحسب،
بل أنه ثمرة حضارته.
وكان هذا
من أعظم ما فعله سعيد بن محمد.
لأنه نقل العهد
من الاتكاء على الرجال الكبار وحدهم
إلى الاتكاء على مدرسة كاملة.