الفصل السبعمئة واثنان وخمسون: محمد بن عبدالله في تمام العهد
بعد أحد عشر عامًا
من الحكم القوي
والعدل الواسع
والفتوحات المحكمة،
لم يكن محمد بن عبدالله
قد دخل على الدولة ضعفًا،
ولا دخلت عليه الشيخوخة
دخول من يطلب أن يضع عن كتفه الحمل،
بل كان في تمام نضجه السياسي
والحضاري
والروحي.
كان قد جمع
ما تفرق في آبائه وأعمامه:
فيه من عبدالملك
سعة الأفق
والقدرة على حمل الخريطة كلها في صدر واحد،
وفيه من عبدالله
صرامة النظام
وشدة النفاذ إلى مواضع الخلل،
وفيه من سعيد بن عبدالملك
هدوء الرسوخ
والقدرة على جعل الدولة قوية
من غير صخب دائم،
وفيه كذلك
أثر محمد إمام المدينة
في الميزان
وأثر أحمد
في الخشية الصافية
وأثر صفية
في أن الدولة
إذا نسيت الضعفاء
خانَت أصلها.
ولهذا
كان الناس
إذا رأوه في السنوات الأخيرة من حكمه
قالوا:
— هذا الرجل
لا يحكم دولةً فقط،
بل يحكم خبرة ستة أعمار
اجتمعت في صدره.
وفي هذه المرحلة
لم تكن الفتوح عنده
اندفاعًا جديدًا
بل إتمامًا للمعنى.
كان يريد أن يغلق الثغور البعيدة،
ويفتح ما بقي من العقد الكبرى
في أوروبا الجنوبية والبلقان،
ويدخل المدن المترددة
في يقين العهد
قبل أن تجرها الممالك الخائفة
إلى حروب جديدة.
لكنه كان يعرف
أن الذروة
هي أخطر اللحظات.
وكان يقول في مجلسه:
— أكثر ما أخافه
ليس عدوًا يرفع رايةً علينا،
بل غفلةً تدخل قلوبنا
فتجعلنا نظن
أن الله قد ضمن لنا البقاء
كما ضمن لنا الفتح.
ثم يضيف:
— وما ضمنت لنا السنن إلا شيئًا واحدًا:
أن نبقى
ما دمنا أوفياء لما أقامنا الله له.
وكانت هذه الكلمات
تسبق قدره الأخير
كما تسبق الرعدة الخفيفة
نزول المطر العظيم.