الفصل السبعمئة وخمسة وأربعون: أثر استشهاد أحمد في مكة والدولة
لما شاع الخبر
اهتزت مكة
كما لو أن بعض ضوئها
قد انطفأ فجأة.
بكى أهل الحرم،
وبكى الغرباء،
وبكى طلاب العلم،
وبكى أهل الدول البعيدة
الذين لم يروا أحمد إلا مرة
لكنهم أخذوا معه من مكة
شيئًا لم يعرفوه في غيرها.
وقال رجل عجوز:
— لم يمت أحمد اليوم فقط،
بل مات معنا
صوت كنا نظن
أنه سيبقى ما بقي الحرم.
أما في الدولة
فإن أثر موته
كان مزدوجًا:
من جهة
دخل الحزن
على القلوب
بطريق لا يشبه حزن الشهداء في الميادين.
فإن الرجل
إذا مات مقاتلًا
قال الناس:
هذا باب الرجال.
أما أن يُقتل رجل
وهو ساجد في مكة،
فهذا يدخل على الناس
من جهة العقيدة والضمير.
ومن جهة أخرى
زاد هذا من صلابة العهد.
لأن الناس
أدركوا أن البيت
لم يكن يرسل أبناءه
إلى أبواب المجد فقط،
بل إلى أبواب الله أيضًا،
وأن الدم
أو الشهادة
لم تعد تلاحقهم
في الحرب وحدها،
بل حتى في المحاريب.
فقالوا:
— هذا بيت
دفع في الحكم،
وفي الطرق،
وفي الفقر،
وفي الشفاء،
والآن في الحرم نفسه.
وكان محمد بن عبدالله
أشد الناس فهمًا لهذا المعنى.
فأمر أن يُخلد اسم أحمد
لا في منشأة سياسية،
بل في مدارس القرآن
وأوقاف الحرم
ومجالس الإقراء،
حتى يبقى حضوره
في الباب الذي عاش له.