الفصل السبعمئة وثلاثة وأربعون: العام الأول… حين سقط نور مكة في السجود
كان أحمد
في ذلك الزمن
قد صار من معالم مكة نفسها.
لم يعد الناس
يفرقون بين مقامه في الحرم
وبين صورة البيت في وجدانهم.
فإذا ذُكر الحرم
ذُكر صوته،
وإذا ذُكر الخشوع
حضرت قراءته،
وإذا ذُكر بيت صفية
قيل:
— وفي مكة
لهم رجل
يشبه الدعاء إذا صار بشرًا.
ولذلك
فإن أعداء الدولة
فهموا منذ زمن
أن بقاء أحمد
ليس مسألة إمامٍ صالح فقط،
بل مسألة شرعية روحية
تستند إليها الدولة كلها
ولو لم تتكلم بها.
فلما تولى محمد بن عبدالله
الملك،
ورأى خصومه
أن الدولة لم تضعف
بل دخلت يدًا رابعة
أكثر هدوءًا وأبعد نظرًا،
أرادوا أن يفتتحوا عهده
بضربة في القلب الرمزي
لا في الجبهة.
وكانوا يقولون:
— لقد استُشهد عبدالملك،
ثم استُشهد عبدالله،
ثم استُشهد سعيد بن عبدالملك،
ومع ذلك بقي البيت قائمًا،
لأن له في مكة
نورًا لا ينطفئ،
وفي المدينة
هيبة لا تبرد،
وفي الناس
حبًا لا ينكسر بسهولة.
فإذا سقط أحمد
في مكة
ربما دخل على القلوب
ما لا تدخله الجيوش.
وهكذا
نُسجت المؤامرة
على أقدس صورة من صور الغدر.
لم يواجهوه في طريقٍ
ولا في مجلسٍ
ولا في موضع سلطة،
بل اختاروا له
لحظة السجود.
وفي فجرٍ من أفجر مكة،
أو في صلاةٍ
كان الحرم فيها ممتلئًا
بالعابدين والركع والساجدين،
وقف أحمد
كما وقف آلاف المرات من قبل،
نقيّ القلب،
خفيف النفس،
لا يعرف أن بعض القلوب
إذا عجزت عن مواجهة النور
أرادت أن تطفئه غدرًا.
قرأ
وبكى الناس.
ثم ركع.
ثم سجد.
وفي السجدة
التي كان أقرب ما يكون فيها
إلى الله،
جاءه الاغتيال.
لم يره الناس
حادثًا عابرًا،
بل رأوه
طعنةً في وجه الطهر نفسه.
وسقط أحمد
وهو ساجد.
ولم يرفع رأسه إلى الدنيا بعدها.
وكان هذا
من أشد ما وقع
في عهد محمد بن عبدالله
منذ يومه الأول.