الجزء الرابع والتسعون: حين التقت البشارة بالشهادة في يومٍ واحد

الفصل السبعمئة وثلاثة وثلاثون: سعيد في آخر أيامه

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل السبعمئة وثلاثة وثلاثون: سعيد في آخر أيامه

كان سعيد بن عبدالملك
قد حكم أربعًا وعشرين سنة
من القوة والعدل والفتوح،
حتى صارت الدولة في عهده
أكثر رسوخًا واتساعًا
وأهدأ نفسًا
مما كانت عليه عند بداية ملكه.

لم يكن عاشقًا للصورة،
ولا مغرمًا بالألقاب،
بل كان رجلًا
تعلّم من أبيه الشهيد
أن المجد
لا يساوي شيئًا
إن لم يثبت في الديوان والقرية والخبز والحدود.
وتعلّم من عمه عبدالله
أن الصرامة
إذا لم يجر فيها قلب
صارت آلةً باردة
تضيق بها البلاد.
وتعلّم من محمد في المدينة
أن الحكم
إذا لم يبقَ عبدًا للحق
انقلب حقًا على الناس.
وتعلّم من أحمد في مكة
أن السمعة
إذا لم تُغسل بالخشية
أكلها الغرور.

ولهذا
كان سعيد
إذا خرج إلى الثغور
أو إلى الأقاليم
لا يخرج كملكٍ يريد أن يُرى،
بل كرجلٍ
يحب أن يرى بنفسه
ما يحدث في أطراف دولته.

وفي أواخر عهده
لم يضعف،
ولم يتراجع،
بل دخل طورًا
من الحكمة الثقيلة.
كان يرى أن أخطر ما على الدولة
ليس أن يقوى عدوها فقط،
بل أن تظن هي
أنها صارت أكبر من أن تُختبر.

ولهذا
كان يقول:
— إذا اشتدت الدولة
وجب أن يشتد تواضعها.
ثم يضيف:
— فإن لم تفعل
جاءها الله بمن يذكرها
أنها ليست فوق سننه.

وفي تلك الأيام
كان محمد بن عبدالله
أقرب الناس إليه
في الشأن العام.
لا بصفة الوريث المعلن فقط،
بل بصفة الرجل
الذي أثبت في كل موضع
أنه يحمل من عقل البيت
ما يؤهله للمرحلة الرابعة العظيمة.

وكان سعيد
يراه
ويزداد طمأنينة.
وقال له مرة:
— يا محمد،
إن الناس
إذا سلموك السقف بعدي
فلا يحملنك ذلك
على أن تقول:
قد تمّ البناء.
بل قل:
كل يوم
يُعاد بناء الدولة
من جديد.
فإن نسيت هذا
دخل عليك الهدم
من جهة الاطمئنان.

وكان محمد
يحفظ هذه الكلمات
كما يحفظ الرجل
وصيةً يعرف
أنه سيعيش بها قريبًا.