الفصل السبعمئة وأربعة وعشرون: الفتوح في عهده… من الحدود إلى العقد
إذا كان عبدالملك
قد فتح الأبواب الكبرى،
وعبدالله
قد شدّ المفاصل،
فإن سعيد بن عبدالملك
أدخل الفتوح
في طورٍ جديد:
طور فتح العقد الكبرى.
لم يعد ينظر إلى البلاد
على أنها مدن متجاورة
أو ممالك منفصلة،
بل على أنها عقد جغرافية وحضارية:
إذا دخلت في العهد
تبدل ما حولها.
فكان يسأل دائمًا:
أين الممر
الذي إذا أمِن
أمِن بعده أربع جهات؟
أين الميناء
الذي إذا دخل
خفّ ابتزاز البحر كله؟
أين المدينة العلمية
التي إذا صلحت
انتقل صلاحها إلى مدارس وحواضر من بعدها؟
أين السهل الزراعي
الذي إذا حُمي
حُميت به أقاليم من الجوع؟
ولهذا
فإن فتوحه
في السنوات الوسطى من حكمه
لم تكن أعنف ما عرفه الناس،
لكنها كانت من أذكى ما عرفوه.
دخلت في عهده
ثلاث مدن كبرى
في أوروبا الجنوبية
على صور متباينة:
واحدة بالفتح،
وثانية بالصلح بعد حصار قصير،
وثالثة بميثاق طويل
رأى أهلها معه
أن العهد
أضمن لمصالحهم وكرامتهم
من التعلق بعروش بعيدة تبيعهم عند أول مفترق.
كما أحكم في عهده
سلسلة من الممرات الجبلية
التي كانت تستهلك الجند والتجارة
منذ عقود.
فأنشأ فيها حصونًا راشدة
لا تتحول إلى أدوات ظلم على أهل القرى،
وجعل لها أسواقًا أسبوعية
حتى لا يبقى الجندي غريبًا عن الأهالي
ولا يبقى الأهالي
يكرهون الحصن
لأنه باب مالٍ وثقل فقط.
وقال أحد قواده:
— كان غيرنا
يفتح القلعة
ثم ينسى القرية.
وأما سعيد
فيفتح الطريق
ثم يفتح حوله الحياة.