الفصل السبعمئة وثلاثة وعشرون: سنة تثبيت الداخل
في السنوات الأولى من حكمه
لم يندفع سعيد بن عبدالملك
إلى الفتوح البعيدة
قبل أن يضمن
أن الداخل
صار أصلب من أن يهزه حزن أو طمع.
فبدأ بسنة
أسماها بعض رجاله لاحقًا
سنة تثبيت الداخل.
راجع ديوان الأقاليم.
وأعاد النظر في الولاة
الذين طال مقامهم
حتى كادت الهيبة تتحول عند بعضهم
إلى استئثار مستتر.
وثبت القضاء الأعلى
على صورة تمنع
أن يتأخر حق البعيد
لأن العاصمة مشغولة بما هو أكبر في الظاهر.
وفي هذه السنة أيضًا
زاد من مجالس الشكايات المفتوحة،
حتى صار في كل إقليم كبير
يوم أو يومان معلومان
يستطيع فيهما الناس
أن يرفعوا مظالمهم
إلى ممثلي السلطان
من غير أبواب مغلقة
ولا سلالم طويلة من الوساطة.
وكان شديد العناية
بأن لا تتضخم طبقة الدولة
على حساب الناس.
فقال مرة:
— أكثر ما أخافه
أن يعتاد رجالنا
أن يسمعوا لفظ “العهد”
فيظنوا أنفسهم هم العهد،
مع أن العهد
إنما قام
ليخفف عن الناس
لا ليصير اسمًا فوقهم.
وهنا برز محمد بن عبدالله
بقوة أكبر.
فقد جعله سعيد
يرأس لجان المراجعة الخفية
في بعض الأقاليم،
فيرجع بأخبار
ليست في التقارير الرسمية:
أين يضيق الوالي بالناس؟
أين بدأت السوق
تميل إلى الاحتكار؟
أين يدخل أبناء الجند
في روح التعالي؟
وأين بدأت المدارس
تكرر الاسم
أكثر مما تكرر المعنى؟
وكان محمد بن عبدالله
في هذا الباب
نفيسًا للغاية.
لأنه لم يكن يذهب
وفي ذهنه أن يصطاد الأخطاء فقط،
بل أن يفهم
كيف تُصلح الدولة نفسها
قبل أن تضطر إلى العقوبة.