الفصل السبعمئة وثلاثة عشر: عهد سعيد بن عبدالملك… السكينة التي لا تُضعف السيف
دخل سعيد بن عبدالملك
عهده الطويل
وقد حمل في صدره
ثلاث وصايا لا تفارقه:
وصية أبيه عبدالملك
في لحظة الاستشهاد:
ألا يكون الدم باب فتنة.
ووصية عمه عبدالله
حين سلّمه السقف:
أن لا يخرج من ظل العدل
إلى شهوة الاسم.
ووصايا صفية
التي بقيت في البيت
بعد موتها
أشد حضورًا من كثير من الأحياء:
أن الدولة
إذا نسيت الضعفاء
أكلها مجدها من الداخل.
ولهذا،
فإن عهد سعيد
لم يكن عهد اندفاع صاخب،
بل عهد رسوخ ممتد.
كانت الدولة فيه
أهدأ من زمن عبدالملك،
وألين ظاهرًا من زمن عبدالله،
لكنها في الحقيقة
كانت أشد عمقًا
وأوسع نفسًا.
ففي عهده
لم تعد الفتوح
بحثًا عن مجدٍ جديد،
بل إتمامًا لما بقي مفتوحًا
في الأطراف البعيدة
والبلدان التي طلبت العدل
بعد أن رأت ما صار إلى جيرانها.
وكان سعيد يقول في مجلسه:
— لا أريد للدولة
أن تكبر في الخرائط
وتصغر في ضميرها.
ثم يضيف:
— وإذا فتحنا بلدًا
فليدخل في عدلنا
كما يدخل في سلطاننا،
وإلا فليس هذا فتحًا
بل تأجيل خصومة.
وبقي محمد بن عبدالله
إلى جواره
أشد الناس نفعًا له.
كان سعيد
يملك وقار الحكم
وهدوء الأبوة السياسية،
وأما محمد بن عبدالله
فكان يملك
حدة البصيرة
والقدرة على رؤية ما يختبئ
خلف استقرار السنين.
ولهذا
صار الناس يقولون:
— إن كان سعيد
هو السقف المطمئن،
فإن محمد بن عبدالله
هو العين التي لا تنام.
وفي تلك السنوات
استقرت المدن القديمة
واطمأنت الممالك الداخلة في الظل،
ودخلت بلاد جديدة
في البلقان وأوروبا الجنوبية
على هيئة صلح دائم أو فتح راشد،
لكن الدولة
لم تفقد في ذلك كله
وجهها الأول:
وجه الرحمة المنضبطة.
وكان لبنات صفية
في هذا الطور
شأن عظيم.