الجزء الحادي والتسعون: حين استُشهد عبدالله وحمل سعيد بن عبدالملك السقف

الفصل السبعمئة وخمسة: سعيد بن عبدالملك في ظل عبدالله

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل السبعمئة وخمسة: سعيد بن عبدالملك في ظل عبدالله

في تلك الأعوام
كان سعيد بن عبدالملك
يكبر
كما تكبر الأشجار
إذا عرفت الريح
والبرد
والشمس
والجفاف
ووفرة الماء.

لم يعد الفتى
الذي شهد استشهاد أبيه
ثم عاش طويلًا
على صوت الوصية الأخيرة،
بل صار رجلًا
يبني نفسه
تحت عين عمه عبدالله
وعين الدولة كلها.

وكان عبدالله
يعامله كما يعامل الرجل
الذي سيحمل بعده
لا كما يعامل ابن أخٍ
يريد أن يريحه من التعب.

أخرجه إلى الجبهات.
وأدخله الدواوين.
وأجلسه مع شيوخ الأسواق.
وأمره أن يسمع شكاوى النساء
في بعض الأقاليم
كما يسمع شكاوى الجند.
وكان يقول له:
— من أراد أن يحكم
فلا يكتفِ أن يسمع
أين يتحرك السيف،
بل ليسمع أيضًا
أين يختنق الخبز،
وأين تنكسر هيبة القاضي،
وأين تبدأ الكلمة الصغيرة
التي قد تصير فتنة.

وكان محمد بن عبدالله
في الوقت نفسه
يكبر إلى جواره
على هيئة أخرى من النضج:
أهدأ،
أشد تأملًا،
أكثر ميلاً إلى ضبط التوازنات
وتحمل ما لا يظهر على السطح.

فصار البيت
كأنه يُعِدُّ رجلين
لا رجلًا واحدًا:

سعيد بن عبدالملك
وجه الراية الآتي
ووريث جرح أبيه ومجده.

ومحمد بن عبدالله
العقل الهادئ
الذي سيأتي زمنه
ويجد ما بين يديه
حيًا قادرًا على الاستمرار.

وكان محمد إمام المدينة
يراقب هذا من بعيد
ويكتب لهما رسائل
فيها من الأبوة
ما لم تكتبه الرابطة في سجلٍ قط.

وكتب لسعيد مرة:

“إياك أن تجعل استشهاد أبيك
سيفًا في يد عاطفتك.
اجعله ميزانًا في يد عقلك.”

وكتب لمحمد بن عبدالله:

“احفظ في نفسك
أن الهدوء ليس تراجعًا،
بل قد يكون
أعظم أبواب القوة.”

وكانت هذه الرسائل
تنزل عليهما
كما تنزل الوصايا
على جيلٍ يُبنى ليحكم لا ليظهر.