الجزء التاسع والثمانون: حين صار دم الشهداء وقود العهد التالي

الفصل الستمئة والثامن والثمانون: الجنازة التي لم تكن وداعًا فقط

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الستمئة والثامن والثمانون: الجنازة التي لم تكن وداعًا فقط

لم تكن جنازة عبدالملك
ولا جنازة سعيد الأب
ولا جنازة صفية
مجرد وداعٍ لثلاثة عظام،
بل كانت كأن الأمة كلها
تأتي لتشهد
أن هذا البيت
لم يبنِ دولته على الحديد وحده،
بل ختمها في طورها الأول
بالدم الصابر.

خرج الناس من البوسنة
ومن العواصم المفتوحة،
ومن الأقاليم،
ومن المدن التي دخلت في ظل الرابطة،
ومن ممالك كانت إلى الأمس القريب
تخاف اسم عبدالملك
ثم صارت اليوم
تبكيه على طريقتها.

وفي المدينة المنورة
دعا محمد لهم
في المسجد النبوي
دعاءً بكى له الناس،
ثم أرسل إلى عبدالله
رسالة كانت من أثبت ما كُتب في تلك الأيام:

“لا تجعلوا الحزن
يسرق منكم معنى ما ماتوا عليه.
فإنهم لم يموتوا
ليجلس الناس على قبورهم باكين فقط،
بل ليقوم من بعدهم
بما كانوا يقومون به
وهو أشد يقينًا وأقل غفلة.”

وفي مكة
قرأ أحمد
قراءةً صار الناس بعدها
يقولون:
كأن الحرم
صلى على الشهداء بطريقته.

أما عبدالله
فأمر أن تكون الجنازة
على صورة الوقار لا الفتنة،
وعلى صورة الثبات لا الانكسار.
لا صراخ فيها
يجر الناس إلى الغضب الأعمى،
ولا برود فيها
كأنما ماتت أسماءٌ عابرة.

وقف عند نعش أخيه
ثم عند نعش أبيه
ثم عند نعش صفية،
وقال بصوتٍ سمعه من قرب:
— والله
ما تركتم لنا بعدكم
رفاهية الضعف.
ثم أضاف:
— رحمكم الله…
سيبقى العهد قائمًا
كما أردتموه.

وكانت هذه
أول بيعة حقيقية
للعهد الجديد
قبل أن تُكتب بيد.