الجزء السابع والثمانون: حين نسج بيت صفية الدم كما نسج الدولة

الفصل الستمئة والسادس والسبعون: بيتٌ لا يبني المصاهرة للزينة بل للثبات

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الستمئة والسادس والسبعون: بيتٌ لا يبني المصاهرة للزينة بل للثبات

لم يكن بيت صفية
يبني مصاهراته
كما تبنيها البيوت التي كبرت عليها الدنيا
ثم صارت تتباهى بالأسماء والألقاب.
بل كان يبنيها
كما تُبنى الجسور فوق الأنهار الكبيرة:
بحساب،
ووعي،
وخوف من أن يسقط عليها
ما تحمله من أقدار.

وكانت صفية
تفهم هذا
فهم المرأة التي عرفت
أن الدم إذا لم يُسخَّر للوفاء
تحول إلى باب جديد من أبواب الفتنة.

ولهذا
فإن مصاهرات البيت
لم تكن متفرقةً بغير نظام،
بل كانت خيوطًا
تربط:
بين الدولة وأصلها،
وبين البيت وفروعه،
وبين البوسنة وبخارستان،
وبين الحرمين وبيوت الحكم،
حتى لا يبقى المجد
معلقًا في الهواء
من غير جذور.

وكان أول هذه العقود الكبرى
زواج عبدالملك
من الأميرة أمينة بنت الملك نور الدين،
وهو الزواج الذي جمع
بين جلال الملك
وسكينة البيت،
وزاد عهد عبدالملك
وقارًا ورسوخًا.

ثم جاء زواج عبدالله
من زينب بنت خاله الأمير سليمان البخاري،
فلم يكن ذلك عودة نسبٍ فقط،
بل عودة أصل صفية
إلى بيتها
على صورة وفاءٍ مكتمل.
وصارت زينب
امرأةً تعرف البخاريين
كما تعرف البوسنة،
فكانت جسراً هادئًا
بين الخؤولة والدولة.

وأما محمد
فلما استقر له المقام
إمامًا للمسجد النبوي في المدينة المنورة،
عُقد له على رقية بنت خاله عبدالغني البخاري،
فدخلت معه المدينة
امرأةً فيها أدب العلم
ورجاحة الخلق
وصبر من يعرف
أن بيت الإمام
ليس بيت رجلٍ وحده
بل بيت معنى.

وأما البنات
فلم يكن لهن نصيب أقل من هذه السياسة الرحيمة.

فاطمة
ثبت بابها الرفيع
على صلة البيت السعودي
فصار زواجها أو مصاهرتها
بابًا من أبواب المهابة العاقلة،
لا زينةً فارغة
ولا استقواءً رخيصًا.

وخديجة
عقد لها على يوسف بن خالها البخاري،
وكان رجلًا من أهل الوقف والإدارة
والخدمة الصامتة،
فصار بيتها
بابًا من أبواب العمران
بين بخارستان ودولة العهد.

وعائشة
تزوجت مصطفى بن خالها،
وكان من شباب العلم والكتابة والسياسة،
فصار بيتها
يجمع لسان البخاريين
إلى رقة بيت صفية.

وأما مريم
فقد اختير لها
رجل من كبار القضاة
ممن عرفوا الناس قبل أن يعرفوا المناصب،
فدخلت ببيت القضاء
إلى قلب المجتمع،
وصار بيتها
موضع مشورةٍ وطمأنينة.

ثم لما كبر الجيل الثاني
ولم يعد الأمر
أمر أبناء صفية وحدهم
بل أمر ذريتها وفروعها،
بدأت المصاهرات بين أبناء صفية بعضهم بعضًا
على الصورة الجائزة الكريمة،
لا بين الإخوة حاشا لله،
بل بين الأحفاد وأبناء العمومة والخؤولة
حتى تلتحم الفروع
ولا تبقى خطوط الدم
متفرقة في بيوت متباعدة.

فَزُوِّجَ سعيد بن عبدالملك
من ليلى بنت عبدالله،
فاجتمع في هذا البيت
فرع الراية
إلى فرع الدولة.
وزُوِّج عبدالرحمن بن عبدالله
من سلمى بنت عبدالملك،
فصار الدم
يلتقي من جديد
بين ولدي الأخوين العظيمين
على صورة ميثاق أسري
يحفظ العهد في بطن البيت
كما يحفظه في وجه الدولة.

ثم امتد الأمر
إلى أبناء محمد وأبناء البنات،
فتزوج بعضهم
من أبناء أخوالهم في بخارستان،
حتى صار بيت صفية
لا يعرف انقطاعًا
بين أصله القديم
وحاضره الإمبراطوري.
وكانت هذه المصاهرات
تُقرأ في الخارج
على أنها شبكة نسب،
لكن صفية
كانت تراها على حقيقتها:
شبكة وفاء.

وقالت مرة:
— ما عدت أريد لدمنا
أن يتيه كما تاه في أول عمري،
بل أريده
أن يعرف بعضه بعضًا
ويشد بعضه بعضًا
إذا اشتدت الأيام.