الفصل الستمئة والسابع والستون: أبناء العهد… لا أبناء القصور
عرف عبدالملك
أن أخطر ما يفسد الحكم الطويل
ليس الخصوم وحدهم،
بل الأبناء
إذا تربوا على أن الدولة ميراث جاهز
لا أمانةٌ ثقيلة.
ولهذا
لم يربِّ أبناءه
ولا أبناء عبدالله
في ظلال القصور وحدها،
بل جعلهم يعيشون
بين ثلاثة أبواب:
باب العلم،
وباب الجندية،
وباب الناس.
فأما سعيد بن عبدالملك
فقد كان منذ صغره
يميل إلى ملامح أبيه
في الهيبة والهدوء وحسن الإصغاء،
لكن فيه شيءٌ آخر كذلك:
ذكاء إداريّ
وعينٌ تلتقط
كيف تتحرك الدولة من داخلها.
كان إذا جلس في مجلس الولاة
سمع ما وراء الألفاظ.
وإذا دخل السوق
عرف أين يبدأ الخلل
قبل أن يعلو صياحه.
وكان عبدالملك
يراقبه طويلًا،
ثم يقول لعبدالله:
— هذا الفتى
لا يُربّى على المجد،
بل على الحمل.
أخاف أن يحبه الناس
لأنه ابني،
وأريده أن يستحق
أن يحبه الناس
لأنه يعرف العدل.
وأما محمد بن عبدالله
فقد نشأ
وعلى وجهه أثر عمه محمد
في السكينة،
وأثر أبيه عبدالله
في الحزم،
وأثر البيت كله
في التوازن.
لم يكن صاخبًا،
ولا محبًا للظهور،
لكن من جالسه
شعر أنه أمام رجل
إذا تكلم
وضع الشيء في موضعه.
وكان عبدالله يقول عنه:
— هذا
إن حمل يومًا
فلن يفسد بالحمل.
لأنه لا يطلبه في نفسه.
وكان أبناء البيت جميعًا
يتعلمون
أن الفتح ليس نشيدًا،
بل مسؤولية.
وأن الناس
لا يذكرون القادة
لأنهم أبناء عروش،
بل لأنهم إما أن يخففوا عنهم
أو يثقلوا عليهم.
ولهذا،
لم يخرج من بيت عبدالملك
جيل مدلل،
بل خرج جيل
يعرف أن الدولة
لا تصبر على من يحبها لنفسه.