الفصل الستمئة والثاني والستون: البنات… بناء المجتمع بعد العروش
إذا كان الرجال
قد فتحوا العواصم والممالك
وثبتوا الطرق والدواوين،
فإن البنات
دخلن مرحلةً جديدة
من العمر الإمبراطوري للعهد:
مرحلة بناء المجتمع بعد سقوط العروش.
فقد كان من السهل نسبيًا
أن تُسقط عرشًا متعبًا،
لكن الأصعب
أن تجعل ما بعده
مجتمعًا قادرًا على الحياة
لا مجرد رعيةٍ لسلطان جديد.
مريم
أصبحت كأنها أمُّ الأقاليم المفتوحة.
تنشئ مجالس نسائية في المدن البعيدة،
وتجمع النساء من أصول مختلفة،
وتعلمهن
كيف يعشن تحت عدلٍ مشترك
من غير أن تتحول واحدة منهن
إلى ظلٍّ للأخرى.
وكانت تعرف أن الحرب
تترك في النساء
جراحًا صامتة
لا تُرى في تقارير الرجال.
فإذا ضمدتها
ثبت البيت،
وإذا أهملتها
انكسر البيت
ولو بقيت الأسوار قائمة.
خديجة
بنت شبكة الشفاء الكبرى.
دور علاج،
وقوافل دواء،
ومعلمات وممرضات،
ونظامًا للجريح
لا يجعله متسولًا لفضل الدولة
بل صاحب حق في ذمتها.
وكان عبدالملك يقول:
— لولا خديجة
لظن بعض الناس
أن الفتح
يحب الصحيحين فقط.
عائشة
دخلت عالم الأطفال والمدارس.
وكان هذا
أبعد مدى من كثير من المعارك.
علمت أطفال الأقاليم المختلفة
كيف يقرؤون معًا،
وكيف يلعبون معًا،
وكيف يسمعون أسماء المدن والجهات
لا بوصفها عداواتٍ موروثة،
بل أجزاءً من سقف واحد.
وكانت تردد:
— إذا تعلم الطفل
أن الاسم الأوسع لا يسرق اسمه الأول
نشأ وهو أقدر على حمل العهد من أبيه.
أما فاطمة
فقد بلغت مقامًا آخر.
كان اسمها
يُذكر في البيوت الرفيعة
وفي المجالس الكبيرة
على أنه اسم امرأة
استطاعت أن تدخل أبواب الجلال
من غير أن تفقد دفء الرحمة.
وإذا صحت بشارة زواجها
أو قربها من بيت الحكم السعودي كما بُشِّر به،
فإن هذا الباب
لم يكن عند صفية
زواجَ مجدٍ،
بل جسرًا من الحكمة
بين عوالم القوة والرحمة والشرعية.
وكانت صفية
تنظر إلى بناتها
كما ينظر البستاني
إلى الغصون التي تحفظ الشجرة
من أن تصير خشبًا فقط.