الجزء الرابع والثمانون: حين بدأ عهد عبدالملك الطويل

الفصل الستمئة والستون: محمد في المدينة المنورة… حين صار للمملكة قلبٌ نبوي

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الستمئة والستون: محمد في المدينة المنورة… حين صار للمملكة قلبٌ نبوي

أما محمد
فقد كان في المدينة المنورة
يصنع ما لا تقدر عليه الجيوش
ولا الدواوين
ولا العروش المفتوحة.

كان يقف في المسجد النبوي
فإذا كبّر
أحس الناس
أن الدنيا كلها
قد خفّت قليلًا.
وإذا قرأ
خرج من صوته
شيءٌ من سكينةٍ
ترد الناس إلى أصلهم
بعد أن كادت الفتوح والاتساعات
تأخذهم إلى ضجيج الزمن.

لم يكن إمامته للمسجد النبوي
شرفًا شخصيًا فقط،
بل كانت رئةً روحية
يتنفس بها عهد عبدالملك كله.

فالولاة في الأقاليم البعيدة
صاروا يرسلون إليه بأسئلتهم:
كيف يضبطون الفتح إذا دخلته شهوة السوق؟
كيف يعاملون المدن المفتوحة
إذا التبس فيها الحق بالعصبية؟
كيف يمنعون الجند
أن يتحولوا من حماةٍ إلى طبقة متعالية؟
كيف يصبرون
إذا اشتد عليهم ضغط البلاط القديم
أو حنين الناس إلى ما ألفوه؟

وكان محمد يجيب
بما يشبه الطب الروحي والسياسي معًا.
لا يكتب كفقيه مجرد
ولا كمفكر بعيد عن الدم،
بل كرجل
مشى في المدن المفتوحة
ثم وقف في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
فصار يرى الدنيا
من موضعين في وقت واحد.

كتب لعبدالله مرة:

“إياك أن تجعل كثرة النظام
تقتل في الناس معنى الرحمة.
فإن الدولة إذا اشتدت مفاصلها
ولم يجر فيها ماء القلب
صارت بردًا يضيق به الناس.”

وكتب لعببدالملك:

“إذا أحبك الناس لطول العدل
فخفْ أن يجعلوك فوق المحاسبة في قلوبهم.
فإن أعظم الفتن
أن يصير الملك في النفوس
أعدل من أن يُسأل.”

وكانت رسائله
تُقرأ في المجالس العالية
وتُنسخ أحيانًا
وتصل إلى القضاة والولاة
كما تصل الأدوية الدقيقة
إلى أعضاء الجسد الواحد.

أما في المدينة نفسها
فقد صار محمد
موضع إجماع نادر.
أهل العلم يجلونه،
والعامة يأنسون إليه،
والزوار إذا سمعوا قراءته
أخذوا معهم من المدينة
فهمًا جديدًا للرابطة:
أنها لا ترتكز فقط
على الدولة والقوة والفتح،
بل لها في مدينة رسول الله
إمامٌ
لو شاء أن يركب على اسم أخيه
لفعل،
لكنه آثر
أن يكون عبدًا في محراب.

وهذا
هو الذي زاد عهد عبدالملك
هيبةً لا كِبر فيها،
ورسوخًا لا فظاظة فيه.