الجزء الرابع والثمانون: حين بدأ عهد عبدالملك الطويل

الفصل الستمئة والتاسع والخمسون: عبدالله… الذراع التي أمسكت الدولة من الداخل

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الستمئة والتاسع والخمسون: عبدالله… الذراع التي أمسكت الدولة من الداخل

إذا كان الناس
يرون عبدالملك
وجه العهد
وصوته
ورايته
ورمز عدله،
فإنهم شيئًا فشيئًا
بدأوا يدركون
أن خلف الوجه المشرق
تقف يدٌ شديدة الحكمة والثبات:

عبدالله.

لم يعد عبدالله
رجل الطرق والخرائط فقط،
ولا عقل الحملات والحدود،
بل صار
وزن الدولة الداخلي.

هو الذي أعاد ترتيب الدواوين
حتى لا تتحول الإمبراطورية الناشئة
إلى طبقات من الفوضى
تربطها هيبة عبدالملك وحدها.
وهو الذي صاغ نظام الولاة
على نحوٍ لا يبتلع الأقاليم المفتوحة
ولا يتركها لفوضى وجوهها القديمة.
وهو الذي أنشأ أو ثبت
“ديوان الأقاليم”
و”ديوان الأسواق الكبرى”
و”ديوان الممرات والجبال”
و”ديوان الشكايات العليا”
حتى يستطيع الرجل من أبعد مدينة
أن يرفع ظلامته
ولا يضطر أن يهاجر إلى القلب
ليُسمع صوته.

وكان عبدالله
كلما جاءه متحمسٌ
يريد أن يوسّع سلطة المركز
على حساب الأطراف،
قال له:
— الدولة لا تعيش
إذا صارت أطرافها
مخازن مالٍ وجندٍ فقط.
لا بد أن تشعر
أنها شريكة في السقف
لا حطب في موقده.

وكلما جاءه وجهٌ من وجهاء الأطراف
يريد أن يستتر بالخصوصية
ليعيد بناء سلطته القديمة،
قال له:
— ما دخلتَ العهد
حتى تعود سيدًا على قومك
بالعادة القديمة.
دخلتَه
لتخرج من عادة السيد والتابع
إلى قانونٍ أعلى.

وكان حازمًا
لا يبتسم كثيرًا في المجالس العامة،
لكن الناس
مع السنين
صاروا يرون فيه
ذلك الرجل
الذي لا يتكلم كثيرًا عن نفسه
لكن الدولة
إذا ذكرت النظام
ذُكر اسمه.

قال عنه شيخٌ من البوسنة
بعد أعوام:
— عبدالملك جعل الناس يحبون العهد،
وأما عبدالله
فجعلهم يثقون أنه سيبقى
إذا ناموا.

وكان هذا
من أجمل ما قيل فيه.

وما كان عبدالله
يبحث عن المحبة.
كان يبحث عن السلامة.
سلامة الطريق إذا اتسعت الثلوج.
وسلامة الديوان إذا تغيّر الولاة.
وسلامة السوق إذا مات شيخها القديم.
وسلامة الجيش إذا طال عليه الأمن.
وسلامة العهد
إذا كبر أبناء الجيل الأول
ودخلت عليهم الدنيا.

وكان عبدالملك يعرف هذا كله،
ولهذا قال مرةً في مجلسٍ خاص:
— لو خُيرت بين رجلٍ يربح لي معركة
ورجلٍ يحفظ لي ثلاثين سنة من النظام،
لاخترت عبدالله.