الجزء الثمانون: حين بدأت الطريق إلى العاصمة تُكتب

الفصل الستمئة والسادس والعشرون: محمد يدخل باب العلماء في العاصمة من غير أن يراهم

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الستمئة والسادس والعشرون: محمد يدخل باب العلماء في العاصمة من غير أن يراهم

لم يكن محمد
في حاجة إلى أن يدخل العاصمة بجسده
حتى يدخلها بمعناه.

فقد كان للعاصمة
علماؤها،
ووعاظها،
وأهلُ منابرها،
وأصحابُ الوجاهة الدينية فيها،
لكن كثيرًا منهم
كان قد تعب سرًا
من أن يُطلب منه
أن يغطّي كل خرق
في ثوب الملك
بآيةٍ أو حكمةٍ أو دعوةٍ للطاعة.

بدأ محمد
يرسل إليهم
لا رسائل تحريض،
بل رسائل استيقاظ.

كتب إلى أحد كبارهم:

“لسنا نسألك أن تخرج على سلطانك باسمنا،
لكننا نسألك:
إلى متى يبقى المنبر
جسرًا بين ظلم القصر
وصبر السوق؟
إن لم تستطع أن تقول كل الحق،
فلا أقلَّ من أن لا تُلبس الباطلَ ثوب الدين.”

وكتب إلى آخر:

“إن الله لا يسألك يوم القيامة
هل حفظتَ هيبة البلاط،
بل يسألك:
هل خفتَ عليه من الحق
أكثر مما خفتَ عليه من الناس؟”

وكانت هذه الرسائل
تمشي إلى العقول
كما تمشي النار الهادئة تحت الرماد.

فلم يخرج علماء العاصمة
دفعةً واحدة
يعلنون تأييد الرابطة،
لكن بدأ شيءٌ أخطر:
تراجع الحماس القديم
في تبرير ظلم القصر.
صار بعضهم يصمت
حيث كان يصرخ.
وبعضهم يكتفي بذكر التقوى والعدل
من غير أن يمد الخيط
إلى الطاعة المطلقة.
وبعضهم صار إذا سئل
عن أخبار الرابطة
لا يستهزئ كما كان يفعل من قبل،
بل يقول:
— الله أعلم…
لكن مما بلغنا
أنهم لا يتاجرون بالدين
كما يفعل كثير من الناس.

وكان هذا
شقًّا في جدار العاصمة.

فلما بلغ ذلك عبد الملك
قال لمحمد:
— أنت لا تفتح المساجد فقط،
بل تفتح صمت الناس.
فقال محمد:
— لأن العاصمة
إذا بقيت تسمع صوتًا واحدًا
ظنت نفسها بخير.
أما إذا تعدد الصمت فيها
فإنها تبدأ تخاف نفسها.