الفصل الستمئة والخامس والعشرون: ثلاث حلقات حول القلب الملكي
بسط عبدالله خرائطه
لكن هذه المرة
لم يرسم طريقًا واحدًا
بل ثلاث حلقات.
قال:
— لا نقترب من العاصمة
إلا إذا فهمنا
أنها لا تُفتح بضربةٍ واحدة،
بل بتضييقٍ محسوب
حتى تجد نفسها
محاطةً بما لا تستطيع إنكاره.
ثم أشار إلى الحلقة الأولى، وقال:
— هذه حلقة الطرق.
يجب أن تُضبط الممرات التي يأتي منها المال
والجند
والحبوب
ورسائل الحلفاء.
لا نقطعها كلها دفعةً واحدة
فنحول العاصمة إلى وحشٍ مجنون،
بل نُربك انتظامها
حتى تعرف أن الأرض لم تعد طوع يدها.
ثم أشار إلى الحلقة الثانية:
— وهذه حلقة السوق.
فالعاصمة
إن بقيت سوقها مطمئنة
ظنت أن الملك ما زال قادرًا على شراء الوقت.
لكن إذا بدأ التجار
يشعرون أن الربح يهاجر إلى الرابطة
والأمان يسبق القوافل خارجها
فإن وجوه السوق
ستبدأ تسأل أسئلةً أخطر من أسئلة السيوف.
ثم أشار إلى الحلقة الثالثة
وكان صوته أخفض:
— وهذه حلقة الشرعية.
إذا بقي الجامع الكبير
أو الكنيسة الكبرى
أو مجالس العلماء
تنطق باسم القصر وحده
طال عمر الوهم.
أما إذا بدأ الناس يسمعون
أن الحق ليس حكرًا على البلاط،
وأن الرابطة
لا تأتي لتطفئ الدين
بل لتفصل بينه وبين جيب السلطان،
فإن العاصمة
تبدأ تضعف من قلبها.
قال محمد:
— وأنا أتولى الثالثة.
وقال شيخ السوق:
— وأما الثانية
فإني أرى رجالها قد بدؤوا يملّون.
وقال سعيد:
— والأولى
لا يصلح لها إلا عبدالله.
فإنه يرى الطريق
كما يرى غيره السطر.
ثم التفت سعيد إلى عبد الملك،
وقال:
— وأنت
لا تتحرك إلى العاصمة
حتى ترى هذه الحلقات
قد بدأت تضيق عليها
من غير ضجيج.
فإن أسرعتَ
حوّلت خصومك المبعثرين
إلى قلبٍ واحد.
وإن صبرت
جعلت قلبهم
ينقسم على نفسه
قبل أن تصل إليه.
وكان هذا
أول تخطيطٍ كامل
لطريق العاصمة.