الفصل الستمئة والثاني والعشرون: أول انشقاقٍ في البلاط
لم يكن الفتح الكبير
ليبدأ دائمًا من الأسوار.
أحيانًا
يبدأ من تعب البلاط من نفسه.
في المملكة المقصودة
وبعد سقوط الإقليم الشرقي
ووصول الرسائل
وتراجع بعض العلماء عن نصرة السلطان باللسان القديم،
وبدء التجار يشكون في قدرة القصر
على حفظ الطرق والأسواق،
وقع أول انشقاق حقيقي.
أميرٌ أو وزيرٌ
كان يعد نفسه ذراع العرش الأيمن،
بدأ يشعر
أن الملك أو الكبير
لم يعد قادرًا على إنقاذ المملكة
من دون أن يغيّر شيئًا من جوهرها،
ولا هو قادر على التغيير نفسه.
وكان الرجل
لا يحب عبد الملك حبًا خالصًا،
ولا يثق بالرابطة كل الثقة،
لكنه بدأ يخاف من شيءٍ آخر:
أن يسقط العرش كله
في أيدي رجال حربٍ أغبياء
إذا استمرت الأمور هكذا.
فأرسل سرًا
يطلب كلامًا.
ولم يكن هذا
بابًا سهلًا ولا نظيفًا،
لكنه في سياسة الممالك
أحد الأبواب التي لا تُترك
ولا تُفتح بلا ميزان.
قرأ سعيد الرسالة،
وقال:
— انتبهوا.
هذه ليست يد صديق،
بل يد رجل
يريد أن ينجو بقدر ما يريد أن ينفع.
فلا تردوها كلها
ولا تقبلوها كلها.
وقال عبد الله:
— نسمع،
لكن لا نعطيه مفاتيح قلوبنا.
وقال محمد:
— ونختبر
هل فيه بقايا ضمير
أم هو فقط خائف على موضعه.
وجلس عبد الملك
إلى رسول الرجل،
أو إلى الرجل نفسه في موضعٍ آمن،
وسمع منه أن البلاط
بدأ يتشقق
بين من يريد حربًا عمياء
ومن يريد أن يشتري الوقت
ومن بدأ يدرك
أن المملكة لا تنجو
إلا إذا دخلت في إصلاحٍ عميق
لا يملكه الملك ولا يريده.
قال الرجل:
— لست جئتكم
أطلب أن أبيعكم القصر،
لكنني أقول لكم:
لن تفتحوا هذه المملكة
من باب الحرب وحدها.
فيها من تعب
ما يكفي ليسقط نصفها
إذا وُضع له باب نجاة.
ثم أضاف:
— لكن احذروا…
إذا دخلتموها
فلا تدخلوا على أنها غنيمة ملك،
بل على أنها مملكة مريضة
إن أسأنا حملها
ماتت في أيدينا.
فلما خرج الرجل
قال عبد الملك:
— أكره هذا الباب
لكنني أرى أنه من القضاء.
فقال سعيد:
— نعم.
الممالك
لا تُفتح كلها بالسيف.
لكن تذكر:
لا تجعل انشقاقهم
يقود عدلك.
خذ منه ما يكشف
ولا تدعه يُملي.
وكان هذا
أول خيط
يدخل به العرش الكبير
في يد عبد الملك
من داخل نفسه.