الجزء التاسع والسبعون: حين بدأ عبد الملك يقترب من عروش الملوك

الفصل الستمئة والثامن عشر: الرسالة التي دخلت القصر كأنها مرآة

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الستمئة والثامن عشر: الرسالة التي دخلت القصر كأنها مرآة

لم يرد عبد الملك
أن يكون أول ما يصل من الرابطة إلى الملك
هو وقع الجند،
بل أراد أن يصله شيءٌ آخر:

مرآة.

فكتب أو أملى رسالة
ليست رسالة تحدٍّ أجوف،
ولا رسالة استجداء صلح،
بل رسالة يعرف الملك إذا قرأها
أن الذي أمامه
ليس قائد حدود فقط،
بل رجلٌ يرى ملكه كله.

جاء في الرسالة:

“لقد بلغنا ما بلغ الناس من أمركم وأمر بلادكم،
ولسنا ممن يحبون سقوط العروش
إذا قامت على العدل.
لكننا كذلك
لا نسكت إذا صار العرش
بابًا يأكل به الناسُ الناس.
وقد دخل إلينا من أطرافكم
من الظلم ما لم يعد حدًّا بيننا وبينكم،
بل صار شرًا مشتركًا.
فإن أردتم إصلاح ما فسد من أطرافكم
على وجهٍ يحفظ للناس دماءهم وأسواقهم وبيوتهم
سمعنا،
وإن أردتم أن تتركوا الأطراف
وقودًا لتثبيت هيبةٍ تتآكل من داخلها،
فإننا لا نرى ذلك حقًا لكم علينا ولا على أهلها.”

لم تكن الرسالة
تهديدًا صريحًا،
لكنها كذلك
لم تكن تخفي القوة.

ولما دخلت القصر
وقرأها الملك أو من يقرأ عليه،
شعر لأول مرة
أن الرجل الذي في البوسنة
لا يكتب إليه من موضع منازعٍ على حدود،
بل من موضع من يضع يده
على موضع الوهن الحقيقي في المملكة.

قال أحد رجال البلاط:
— يريد أن يحرجنا أمام أنفسنا.
وقال آخر:
— بل يريد أكثر من ذلك…
يريد أن يجعلنا نحن
من يختار بين إصلاح لا نطيقه
وحرب لا نضمنها.
وقال الملك أو كبيره:
— ومن قال
إننا سنترك له خيار السؤال؟
لكن وجهه
لم يكن وجه رجلٍ مطمئن.

فالرسالة
لم تدخله من باب الخوف العسكري فقط،
بل من بابٍ أخطر:
أنها سمّت ما يخفيه عن بلاطه وشعبه
من فساد الأطراف
وتعب السوق
واحتقار القصر لما دون جدرانه.

وهكذا
دخلت أول مرآة إلى العرش.