الجزء التاسع والسبعون: حين بدأ عبد الملك يقترب من عروش الملوك

الفصل الستمئة والسابع عشر: العرش لا يُفتح من بابه الذهبي

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الستمئة والسابع عشر: العرش لا يُفتح من بابه الذهبي

لم يكن الاقتراب من عروش الملوك
يشبه الاقتراب من مدنٍ متعبة،
ولا من بلدانٍ أنهكها الجباة والوجوه الصغيرة،
ولا حتى من ممالك اضطربت أطرافها
فصارت تفتح ثغراتها بيدها من شدة السقم.

فالعرش،
في كل زمان،
ليس خشبًا مذهبًا يجلس عليه رجل فحسب،
بل شبكة من الخوف،
والحرس،
والرموز،
والمال،
والدين إذا سُخِّر،
والسوق إذا رُبطت بالقصر،
والكتّاب إذا زينوا الضعف حتى يبدو مهابة.

ولهذا،
قال سعيد لعبد الملك
حين خلا به بعد استقرار الإقليم الشرقي:

— من اليوم
لن تقترب من بلدٍ تعب من ظلمه فقط،
بل من عرش
يقاتل عن صورته
كما يقاتل عن أرضه.
ثم أضاف:
— واحذر أن تظن
أن الطريق إلى العرش
يمر دائمًا من الباب الذي يعلوه الذهب.
كثير من العروش
تُفتح من تعب أسواقها،
ومن سخط علمائها،
ومن خوف جنودها من قادتهم،
ومن الملل القديم الذي يملأ صدور الناس
حتى لا يعودوا يطيقون الكذب نفسه كل صباح.

قال عبد الملك:
— إذن لن نسأل:
أين يجلس الملك؟
بل:
أين بدأ العرش يتعب من نفسه؟
تبسم سعيد،
وقال:
— نعم.
هذه أول عبارة
ينبغي أن تقولها قبل الاقتراب من الملوك.

وكانت المملكة التي اهتزت بعد سقوط الإقليم الشرقي
تبدو من بعيد
أشد تماسُكًا مما هي عليه في باطنها.
فيها عاصمةٌ لها جلالٌ قديم،
وجند لا يزالون يلبسون مهابة السلطان،
وبلاط يعرف كيف يشتري الوقت،
لكن في داخل ذلك كله
كانت الشقوق قد بدأت تتضح:

رجال دين ضاقوا من تلاعب القصر بألسنتهم.
تجار المدينة الكبرى
تعبوا من أيدي الضرائب الفاسدة
التي تأكل الربح قبل أن يصل إلى السوق.
وجنودٌ من الأطراف
يرسلون إلى الموت
ثم يعود أبناؤهم إلى الفقر نفسه.
وبيوتٌ كثيرة
لم تعد تصدق الخطب الملكية
لكنها لم تجد بعد
الصورة التي تجرؤ أن تضع عليها رجاءها.

وكان هذا كله
في نظر عبد الله
خريطةً أوضح من الجبال.

قال:
— العاصمة
لا تُضرب أولًا.
يجب أن تُترك
حتى تسمع ارتجاف أطرافها
ثم ارتجاف سوقها
ثم ارتجاف مسجدها أو كنيستها أو جامعتها
ثم تعرف أن ما حولها
لم يعد كما كان.

وقال محمد:
— وأنا أريد
أن نقترب من علمائهم قبل أن نقترب من أسوارهم.
فإن العرش
إذا بقي له لسان الدين
طال عمره ولو فسد.
أما إذا صار أهل العلم فيه
يرون من الرابطة
ما لا يرونه عند ملكهم،
فإن هذا
يُضعف القلب الملكي من داخل صمته.

وقال عبد الملك:
— إذن نقترب من العرش
كما نقترب من قلب رجل مريض:
نقرأ نبضه
قبل أن نمسّ صدره.