الجزء السابع والسبعون: حين خرجت الرابطة من فتح المدن إلى فتح البلدان

الفصل الستمئة وثلاثة: محمد ومحاكم البلاد الجديدة

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الستمئة وثلاثة: محمد ومحاكم البلاد الجديدة

كان محمد
أشدّ من فهم
أن فتح البلدان
لا ينجح
إذا بقي القضاء
على هيئة مجالس موضعية متفرقة
لا رابط لها إلا اسم الرابطة.

فإذا كانت المدن
قد احتملت قضاءً مشتركًا
لأن المساحات فيها أقرب
والوجوه أوضح،
فإن البلد الجديد
كان يحتاج إلى شيءٍ أوسع:

محاكم رابطةٍ إقليمية
تربط بين المدن والبلدات والقرى،
وتمنع أن يعود الظلم القديم
في صورة وجوه محلية
تخاف من المركز نهارًا
ثم تأكل الناس ليلًا.

قال محمد لعبد الملك:
— إن فتحنا البلد
ثم تركنا قضاءه
بين شيخ قبيلة
وقاضٍ ضعيف
ووجهٍ يشتري الشهود
فإننا سنكون قد رفعنا رايتنا
فوق فساد قديم
ثم سميناه فتحًا.
ثم أضاف:
— أريد في هذا الإقليم
أن تكون لنا دوائر قضاء
متدرجة:
قضاء محليّ للخصومات الصغيرة،
وقضاء أعلى للدماء والأموال الكبيرة،
وباب مراجعة
حتى لا يشعر أحد
أن المركز ابتلع حقه.
وقال عبد الله:
— وأريد مع كل قاضٍ
رجلًا يعرف الأرض،
فإن القاضي إذا جهل طريق القرية
وعصبية الماء
وذاكرة الثأر،
ربما حكم بالحق في الورق
وأشعل النار في الواقع.
وقال سعيد:
— وهذه هي الدولة
إذا نضجت.
لا تكتفي بالقاضي الصالح،
بل تعرف أين تضعه
ومع من تضعه.

وخرج محمد بنفسه
إلى البلد الجديد
ومعه نفر من العلماء والقضاة،
فلم يبدأ بالمحاكم
بل بدأ بزيارة أعيان الدماء والخصومات القديمة.
جلس مع رجال
توارثوا النزاعات
حتى صارت جزءًا من هويتهم،
وقال لهم:
— إن أردتم أن تدخلوا الرابطة
لتبقوا كما أنتم
وتضيفوا على ثأركم اسمًا أكبر
فهذا لا نريده ولا يصلح لكم.
ثم أضاف:
— أما إن أردتم
أن تخرجوا من أن تكونوا أسرى لقبور آبائكم
إلى أن يكون لأولادكم غدٌ أخف،
فهذا ما جئناكم به.

وفي أول محكمة كبرى
حُكم في نزاع أرض
تجاوز عمره ثلاثين سنة،
وشهد فيه رجال
كبروا وهم يسمعون أن العدل
أسطورة يذكرها الوعاظ
ولا تراها الأسواق.

فلما خرج الحكم
وأُعطي كل طرف
ما ثبت له
ورُدّ بعض الغلو عن بعضهم،
قال شيخ كبير:
— ما كنا نظن
أن البلد يمكن أن يدخل زمنًا
لا يُحكم فيه على اسم القبيلة
بل على البيّنة.

ومنذ ذلك اليوم
صار محمد
ليس فقط روح المدن المفتوحة،
بل مهندس عدل البلدان المفتوحة.