الفصل الستمئة وواحد: لم تعد المدن وحدها تسقط… بل الخرائط
بعد استقامة المدينة الأولى،
ثم هدوء المدينة الثانية،
وبعد أن ثبت للناس
أن رايات الرابطة
لا تدخل لتنهب ثم تمضي،
ولا لتصنع من المدن المفتوحة
مخافر خوفٍ جديدة،
بدأ شيءٌ أكبر
يتحرك في البلاد المجاورة:
الخرائط نفسها
بدأت ترتجف.
فما دامت مدينةٌ تسقط
قد يُقال:
حادثٌ سياسي.
وما دامت ثانيةٌ تدخل
قد يُقال:
إنها موجة مؤقتة
أو نتيجة ضعفٍ خاص في أهلها.
أما إذا استقرت المدينتان،
وصار سوقهما أهدأ،
وقضاؤهما أوضح،
وعلماؤهما أصدق لسانًا،
ونساؤهما أقل خوفًا،
وطرقهما أقل ابتزازًا،
فهنا لا تعود المسألة
فتح مدينةٍ بعد مدينة،
بل فتح تصور جديد للبلاد.
وصار رجال الجهات المجاورة
يجلسون في لياليهم
لا يسألون:
هل تقدر الرابطة على الوصول إلينا؟
بل يسألون:
إذا وصلت،
هل سنستطيع أن نقف في وجهها
وقد رأى الناس في جوارنا
ما رأوه من عدلها؟
وفي مجالس الكبار
بدأت لغةٌ أخرى تتشكل:
— إذا تُركت الرابطة
فإن المدن المتعبة
لن تعود تنتظر أن تُفتح،
بل ستبدأ تتهيأ للفتح من داخلها.
— وإذا صار الناس
هم الذين يخففون على الفاتح أبوابهم
فما الذي يبقى من سلطاننا القديم؟
— وهل نقف بالسيف فقط
في وجه بلدٍ
صار يسبق سيفَه
بالخبز والقاضي والعالم والمرأة التي لا تجرح الداخل إليها؟
وكان هذا هو التحول الأكبر:
أن الرابطة
لم تعد تُخيف فقط
من جهة قدرتها،
بل من جهة منهجها.
وجاء رجلٌ من أهل الطريق
إلى عبد الله،
وقال:
— يا سيدي،
في الجهات التي تلي المدينتين
صار الناس لا يقولون:
متى تقاتل الرابطة؟
بل يقولون:
متى نتهيأ نحن
كي لا ندخلها فوضى إذا جاءت؟
فلما سمع عبد الله هذا
نظر إلى عبد الملك،
وقال:
— لقد بدأت البلدان
تفتح أبوابها في عقولها
قبل أن تُفتح على الأرض.
وهنا
فهم عبد الملك
أن الفتوح القادمة
لن تكون مجرد امتداد عسكري،
بل امتحانًا لقدرة الرابطة
على حمل بلدانٍ كاملة
بما فيها من وجوه
وأسواق
ولغات
وأهواء
وآمال.
قال لسعيد:
— أخاف الآن
أن تتسع الخريطة أسرع من نفوس رجالنا.
فقال سعيد:
— وهذا أول خوفٍ صحيح
في باب البلدان.
ثم أضاف:
— المدينة
يمكن أن تحملها بعينك.
أما البلد
فيحمله نظامك
وأولادك
ورجالك
وبيوتك
ومقدار صدقك حين لا تكون حاضرًا في كل موضع.
وكانت هذه
العتبة الصحيحة للمرحلة الجديدة.