الجزء السادس والسبعون: حين بدأت رايات الرابطة تمضي أبعد من الجبل الأول

الفصل الخمسمئة والثامن والتسعون: المدينة الثانية… حين اختار أهلها الباب قبل أن تكسره الراية

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الخمسمئة والثامن والتسعون: المدينة الثانية… حين اختار أهلها الباب قبل أن تكسره الراية

كانت المدينة الثانية
أقرب إلى القلب
من حيث السوق،
وأعقد من الأولى
من حيث السياسة والوجوه.

لم تكن متعبة فقط،
بل كانت مُمزقة:
فيها وجهان كبيران
يتنازعان النفوذ.
وفيها رجال دين
بعضهم مكسور،
وبعضهم متعلق بالسلامة أكثر من الحق.
وفيها سوق
تعرف أن مفتاحها إن انكسر
ربما سقطت أربع جهات بعدها.

وكان الكبار من الخارج
يراقبونها جيدًا،
لأنهم يعرفون
أن دخول هذه المدينة في فتح الرابطة
يعني أن الباب
لم يعد مجرد فتوح حدود،
بل فتوح عقد المدن.

ولهذا،
حاولوا أن يسبقوا الرابطة إليها:
أرسلوا المال إلى أحد الوجوه.
وأشعلوا الخوف في الوجه الآخر.
وقالوا لبعض أهلها:
— إذا دخلت الرابطة
فقدتم ما بقي لكم من استقلال.
وقالوا لآخرين:
— وإن لم تدخل
فأنتم على حافة الضياع.
أرادوا أن يجعلوا المدينة
تنفجر قبل أن تختار.

لكن محمد
كان قد سبق إلى علمائها.
والسوق
كانت قد ذاقت من فتوح الرابطة الأولى
ما جعل بعض رجالها
يميلون إلى التجربة الجديدة.
ونساء المدينة
كنّ قد سمعن من مريم وصفية
ما جعلهنّ
يخشين الفوضى أكثر مما يخفن الاسم.

ثم وقع ما لم يكن بعيدًا:
انشقّ أحد الوجوه الكبيرة
على صاحبه،
لا حبًا في العدل الخالص،
لكن لأن الخارج
لم يعد يفي له بما يريد.
وهنا
فُتح للمدينة باب التردد الكبير:
إما أن تسقط في حرب أهلية صغيرة
تأكل سوقها
وتفتحها للابتزاز،
وإما أن تدخل الرابطة
على هيئة تدخلٍ يوقف الانفجار
قبل أن يصير دخانًا لا يُطفأ.

جلس عبد الملك مع مجلسه،
وقال:
— هذه المدينة
لا تُفتح مثل الأولى.
لو دخلناها رايةً فقط
صرنا طرفًا في شقّها القديم.
وقال عبدالله:
— يجب أن ندخلها
من باب منع الانفجار.
وقال محمد:
— ولا بد أن يسمع أهلها
أننا لا نأتي لنختار وجهًا ضد وجه،
بل لنمنع المدينة
أن تُباع وجهًا بعد وجه.

وخرجت إليها رسالة ثانية
أشد حكمةً من الأولى:
أن الرابطة
لا تدخل المدينة
لتنتصر لفريق على فريق،
بل لتمنع أن يتحول اختلافهم
إلى خرابٍ يضيع فيه الجميع.
وأن من فتح باب السوق والجامع والقضاء
دخل الأمان.
ومن أصر على أن يجعل المدينة
رأسًا لحربٍ على أهلها
فسيقف في وجه الرابطة
وفي وجه الناس معًا.

وحين دخل عبد الملك
لم يجد مقاومة كالأولى،
بل وجد مدينة
تسلم نفسها
كي لا تشتعل.

وكان هذا فتحًا
أشد تعقيدًا
وأعمق دلالة.

لأن المدينة الثانية
لم تُفتح بكسر القوة وحده،
بل بكسر مقولة أن الفتح لا يكون إلا على جثث الأهل.