الفصل الخمسمئة والرابع والتسعون: محمد… حين بدأ يخرج إلى المدن المفتوحة
كان محمد
من أكثر من فهم
أن الفتوح إذا اتسعت
لم يعد يكفي أن يبقى العلم
حارسًا في المجالس من بعيد.
فإن المدينة المفتوحة
تحتاج بعد يوم النصر
إلى رجل
يعرف كيف يردّ الناس
من لغة الخوف والثأر والارتياب
إلى لغة العهد والميزان.
ولهذا،
قال سعيد لعببد الملك:
— أرى أن الوقت قد جاء
ليخرج محمد
إلى بعض المدن المفتوحة بنفسه.
فقال عبد الملك:
— كنت أنتظر هذا.
إنه يعرف من القلوب
ما لا يعرفه كثير من القادة.
وقال محمد:
— وأنا لا أخرج
لأكون واعظًا للمنتصرين فقط،
بل لأحفظ المفتوحين
من أن يظنوا أن الدين
جاءهم مع السيف وحده.
وكان أول موضع خرج إليه
هو المدينة الأولى نفسها.
دخلها لا على هيئة رجل دولة،
بل على هيئة عالمٍ
يحمل معه شيئًا من سكينة المدينة
وشيئًا من وجع البدايات.
جلس في جامعها الكبير
وكان الناس فيه
لا يزالون ينظرون إلى الوجوه الجديدة
بعينٍ فيها امتنان
وفيها خوف متبقٍّ من التاريخ.
قال لهم:
— إن الفتح
ليس أن تنكسر يد الظالم فقط،
بل أن تنكسر فيكم أيضًا
يد الخوف القديم،
ويد الحقد القديم،
ويد الشماتة.
ثم أضاف:
— من ظن أن الله
فتح عليكم لتنتقموا
فقد جهل الفتح.
ومن ظن أنه فتح عليكم
لتذوبوا في رجالٍ من خارجكم
فقد جهل الرابطة.
إنما فتح عليكم
لتدخلوا في عهد
يحاسبكم كما يحاسب غيركم،
ويرفعكم من الذل
ولا يرفعكم فوق الحق.
وكان لكلامه
أثرٌ لا يخفى.
إذ شعر الناس
أن الرابطة
لا ترسل إليهم الجند فقط،
بل ترسل إليهم لسانًا
يفهم ما في صدورهم.
ثم صار محمد
يتنقل بين المدن المفتوحة والجهات الداخلة في الظل،
يبني فقه الفتح:
كيف يتصرف أهل البلد المفتوح
إذا اختلفوا مع رجال الرابطة؟
كيف يطالبون بحقوقهم؟
كيف يميزون بين الصبر والمهانة؟
كيف يدخلون في الاسم الكبير
من غير أن ينسوا الله
ولا ينسوا أنفسهم؟
وكان هذا
من أعظم أسباب نجاح الفتوح التالية.
لأن المدن
لم تعد ترى الرابطة
سوقًا وجندًا فقط،
بل ترى معها محمدًا
يحمل ميزان القلب.